شغلت “التايم لاين” بحراكها الواسع
القوات المسلحة..مقتضيات المعركة واستحقاق التراتبية
روح الجندية تتجاوز قرارات الإحالة والتقاعد
مطالبات بالتعاطي مع قضايا الجيش بمسؤولية
الفريق تاور: الإجراءات روتينية ولا تحمل دلالات استثنائية
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
تشهد القوات المسلحة السودانية حراكاً واسعاً يشمل عمليات ترقية وإحالة إلى التقاعد وتنقّلات بين الضباط في مختلف الرتب، حيث تم رفع عدد من الضباط من دفعات متباينة إلى الرتب الأعلى، مقابل إحالة آخرين إلى المعاش، إلى جانب إجراء تنقلات ميدانية وإدارية شملت مواقع مختلفة داخل المؤسسة العسكرية، وأثارت هذه الخطوة تفاعلات كبيرة على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة في ظل ما اعتبره البعض مفارقة بين إحالة ضباط خدموا في الخطوط الأمامية خلال حرب الكرامة إلى التقاعد، وبين تقدير تضحياتهم التي ظلت حاضرة في وجدان الرأي العام.
سياق التغييرات
وتأتي هذه الإجراءات في سياق إعادة ترتيب بنية القيادة العسكرية، بعد نحو أسبوعين من التعديلات التي أجراها القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، والتي شملت إعادة هيكلة هرم القيادة وهيئة الأركان، عبر استحداث مواقع جديدة بمسمى مساعدي القائد العام، وإلغاء منصب نائب القائد العام، الذي كان يشغله الفريق أول ركن شمس الدين كباشي والذي تم تعيينه مساعداً للقائد العام لشؤون التخطيط الاستراتيجي والبناء، إلى جانب ثلاثة مساعدين آخرين، في خطوة وُصفت بأنها إعادة توزيع للأدوار القيادية بما يتناسب مع مقتضيات المرحلة، وأكد المتحدث باسم الجيش، العميد عاصم عوض، أن هذه الترقيات والإحالات تندرج ضمن الإجراءات الدورية التي تنفذ وفق قانون القوات المسلحة واللوائح المنظمة لها، مشيراً إلى أنها لا تخرج عن السياق المؤسسي الطبيعي، وكان البرهان قد أوضح في تصريحات سابقة أن هذه التغييرات تمثل إرثاً عسكرياً راسخاً يقوم على تعاقب الأجيال وضخ دماء جديدة لتجويد الأداء، مؤكداً أن القوات المسلحة ظلت تمثل الركيزة الأساسية لاستقرار الدولة، وأنها صمدت في وجه كابوس التمرد.
أبعاد ودلالات
ووفقاً لمراقبين فإن هذه التغييرات، تحمل دلالات عميقة تتجاوز الإجراءات الإدارية الروتينية، إذ تأتي في توقيت بالغ الحساسية يخوض فيه السودان معركة وجودية، ما يعكس حرص القيادة العسكرية على إعادة ترتيب البيت الداخلي بما يضمن أعلى درجات الجاهزية والكفاءة، فالترقيات تعني الدفع بقيادات جديدة إلى مواقع اتخاذ القرار، بينما تمثل الإحالات إلى التقاعد جزءاً من دورة الحياة المهنية داخل المؤسسة العسكرية، بما يتيح تجديد الدماء دون الإخلال بالتراكم المهني والخبرات المتراكمة، كما تعكس هذه الخطوة محاولة لتحقيق توازن دقيق بين متطلبات المعركة الجارية، وضرورات الالتزام بالقوانين العسكرية التي تحكم الترقي والتقاعد، بما يحافظ على انضباط المؤسسة وهيبتها.
رسائل
وتبدو الرسالة الأبرز التي تسعى القيادة العسكرية إلى ترسيخها هي مبدأ العدالة في التراتبية العسكرية، بحيث يتم ترفيع من استحقوا الترقية وفق الأقدمية والكفاءة، وإحالة من بلغوا سن التقاعد، بغض النظر عن ظروف المرحلة أو طبيعة الإسهام في العمليات العسكرية، وفي المقابل، برزت قيمة راسخة داخل المؤسسة العسكرية، تمثلت في الروح العالية للضباط الذين أُحيلوا إلى التقاعد، حيث أعلن كثير منهم استعدادهم لمواصلة الدفاع عن الوطن والمشاركة في حرب الكرامة متى ما طُلب منهم ذلك، مؤكدين أن الانتماء للمؤسسة العسكرية لا ينتهي بقرار إداري، وأن شرف الجندية يظل باقياً ما بقيت الروح.
إجراءات روتينية
ويرى الخبير العسكري فريق شرطة حقوقي دكتور جلال تاور، أن عمليات الترقيات والتنقلات والإحالات تُعد إجراءات روتينية ودورية في كل المؤسسات النظامية، سواءً في القوات المسلحة أو الشرطة، وقال تاور في إفادته للكرامة إن هذه الإجراءات عادةً ما تتم على دورات منتظمة بمعدل مرتين خلال العام الواحد، مؤكداً أن أي عملية ترقيات جماعية تستتبع بالضرورة حركة تنقلات لإعادة توزيع الضباط وفق رتبهم الجديدة، بما يحقق مبدأ وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، لافتاً إلى أن هذه العمليات تمثل جزءاً من آليات التحديث المستمر داخل المؤسسات النظامية، ولا تحمل في جوهرها دلالات استثنائية.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فإن هذه الحزمة المتكاملة من الإجراءات، تعكس سعي المؤسسة العسكرية إلى الموازنة بين مقتضيات المعركة وضرورات التنظيم الداخلي، في إطار تقاليد راسخة تحكم انتقال القيادة وتعاقب الأجيال، غير أن اللافت في خضم هذا التفاعل الواسع، هو أهمية التعامل مع مثل هذه القضايا بدرجة عالية من المسؤولية، خاصة فيما يتعلق بتداول المعلومات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، والتي يفترض أن تظل في نطاقها المهني الضيق، بعيداً عن منصات التواصل الاجتماعي، لاعتبارات تتعلق بقدسية المؤسسة وأمنها، ( ممنوع الاقتراب أو التصوير)، ذلك أن بعض الملفات تبقى طي الكتمان (سري للغاية) بحيث لا تحتمل التداول أو التأويل خارج الأطر الرسمية.






