ثلاث سنوات على الغدر حرب الكرامة ..ملحمة الصمود

ثلاث سنوات على الغدر

حرب الكرامة ..ملحمة الصمود

القوات المسلحة أفشلت المخطط الخبيث

المواجهات والتحوّلات الحاسمة..تفاصيل

إعادة تشكيل المشهد وتغيَّر موازين القوى على الأرض

كيف صمدت القيادة العامة في وجه خطة السطو على السلطة

حرب المدن تحولت إلى نقطة تفوق لصالح الجيش

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

مع بزوغ شمس اليوم الأربعاء الخامس عشر من أبريل 2026م، تحلّ الذكرى الثالثة لاندلاع حرب الكرامة الوطنية، التي تفجّرت في 15 أبريل 2023م، عقب تحركات عسكرية قادتها مليشيا الدعم السريع، في سعيها لتقويض النظام الدستوري والاستيلاء على السلطة بدعم ومحاور إقليمية ودولية في مقدمتها دولة الإمارات، وعلى مدى ثلاثة أعوام، شهد السودان تحولات عسكرية وسياسية عميقة، أعادت رسم خارطة السيطرة والنفوذ داخل البلاد، في صراعٍ لا تزال تداعياته مستمرة حتى اليوم.
الطلقة الأولى
في الساعات الأولى لاندلاع القتال، تبادلت الأطراف الاتهامات بشأن الجهة التي أطلقت الرصاصة الأولى، غير أن الرواية التي تعززت لاحقاً، أكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن ميليشيا الدعم السريع كانت قد أعدّت خطة محكمة للسيطرة على السلطة خلال ساعات، وتشير هذه الروايات إلى وجود بيان جاهز لإعلان السيطرة، كان بحوزة مستشار قائد الدعم السريع يوسف عزت، إلا أن فشل المخطط ميدانياً حال دون بثّه، ويُعزى هذا الفشل إلى المقاومة الشرسة التي أبدتها القوات المرابطة داخل القيادة العامة، والتي تصدت لمحاولة مباغتة وغادرة، حيث قدّم عدد من الضباط وضباط الصف والجنود أرواحهم في سبيل إحباط العملية، ما أدى إلى انهيار السيناريو المعدّ سلفاً.
النية المبيتة
وتعود مؤشرات التصعيد إلى فجر الخميس 13 أبريل 2023م، حين تحركت قوات الدعم السريع شمالاً وسيطرت على مطار مروي، في خطوة اعتُبرت خرقاً واضحاً ومخالفاً للتوجيهات العسكرية، وبعد يومين، وتحديداً صباح السبت 15 أبريل، بدأت العمليات الواسعة عبر السيطرة على مواقع حيوية كانت الميليشيا تتولى تأمينها، إلى جانب تنفيذ حملات اعتقال طالت عدداً من ضباط الجيش في منازلهم أو أثناء توجههم إلى مواقع عملهم، وفي واحدة من أكثر اللحظات حساسية، دارت اشتباكات من “المسافة صفر” عند تخوم مقر إقامة القائد العام داخل القيادة العامة للجيش، حيث خاض الحرس الخاص مواجهة شرسة، استبسل خلالها 36 من الضباط وضباط الصف والجنود، وقدموا أرواحهم، في معركة حاسمة أسهمت في إفشال المخطط ومنع سقوط القيادة في الساعات الأولى.
امتصاص الصدمة
عند اندلاع الحرب، واجهت القوات المسلحة تحديات كبيرة، إذ لم تكن في كامل جاهزيتها من حيث العدد والعدة والعتاد أو الانتشار العملياتي، في مقابل ميليشيا كانت أكثر استعداداً من حيث التمويل والتسليح والعدد إذ بلغوا أكثر من ١٣٠ ألف جندي على متن أكثر من عشرة الآف سيارة دفع رباعي بكامل عتادها والتمويل والتسليح.
ورغم ذلك، تمكن الجيش من امتصاص الضربة الأولى، معتمداً على تضحيات عناصره، وسرعان ما بدأ في التكيّف مع طبيعة “حرب المدن” التي لم تكن ضمن أنماطه القتالية التقليدية، واعتمدت القيادة العسكرية على استراتيجيات متعددة، من بينها الاقتصاد في استخدام الذخائر، والاستفادة من الغنائم العسكرية، إلى جانب إنشاء وحدات خاصة ذات طابع حركي سريع، تنفذ عمليات نوعية وخاطفة على غرار تكتيكات الميليشيا.
الشعب في خندق الجيش
ومع مرور الوقت، نجحت القوات المسلحة في استعادة زمام المبادرة، خاصة بعد التزام الشعب معها خندقاً واحداً عبر المقاومة الشعبية والتشكيلات المختلفة من المجاهدين والمستنفرين، وانتهجت القوات المسلحة والقوات المساندة لها استراتيجيات وأفكاراً قتالية مبتكرة مثل عمليات التحام الجيوش وعبور الكباري والجسور الحيوية، ما أدى إلى إلحاق خسائر كبيرة في صفوف ميليشيا الدعم السريع، التي اضطرت إلى التراجع من العاصمة الخرطوم ومناطق واسعة بوسط البلاد، لينحصر وجودها في جيوب محدودة غرباً، خاصة في كردفان ودارفور يجري التعامل معها.
مراحل الحرب
خلال ثلاثة أعوام، مرّ الصراع بعدة مراحل رئيسية؛ بدأت بمرحلة (الصدمة والسيطرة السريعة) التي سعت فيها مليشيا الدعم السريع لحسم المعركة مبكراً، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، ثم تلتها مرحلة (الاستنزاف)، حيث اتسعت رقعة القتال داخل المدن، وتكبدت الميليشيا فيها خسائر كبيرة، قبل أن تبدأ مرحلة (إعادة التوازن) التي نجح فيها الجيش في إعادة تنظيم صفوفه وبناء قدراته العملياتية، أما المرحلة الأخيرة، فتمثلت في (التحول الهجومي)، حيث انتقل الجيش من مرحلة الدفاع إلى الهجوم المنظم، مستفيداً من تراكم الخبرات الميدانية، وتراجع قدرات الميليشيا، سواء على مستوى الإمداد أو السيطرة، وعلى المستوى الاستراتيجي، أظهرت الحرب أن حسم الصراعات الداخلية المسلحة في السودان يظل معقداً، في ظل التداخلات الخارجية على الصعيد الإقليمي والدولي والتي ساهمت في إطالة أمد الحرب.

خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فبعد ثلاث سنوات من اندلاعها، تحولت حرب الكرامة من مواجهة عسكرية تقليدية، إلى محطة مفصلية في تاريخ السودان الحديث، فقد أعادت تشكيل موازين القوى، وأفرزت واقعاً جديداً على المستويين العسكري والسياسي، ورغم تمكن القوات المسلحة والقوات المساندة لها من استعادة أجزاء واسعة من البلاد، فإن تحديات إنهاء الحرب بشكل كامل لا ترال قائمة، الأمر الذي يجعل الذكرى الثالثة مناسبة للتقييم والمراجعة، واستشراف مسارات المستقبل، في بلدٍ أنهكته الحرب، ويتطلع إلى استعادة الاستقرار وبناء السلام المستدام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top