حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
الزراعة قاطرة وبلدوزر
(1)
في الثلاث مقالات السابقة قلنا إن الدولة السودانية القائمة الآن تقف من العنصرية موقفاً رافضاً… شأنها شأن بقية الدول الأخرى …ولكن المجتمع السوداني مازالت فيه (إن) من ناحية العنصرية … شأنه شأن بقية مجتمعات العالم …لكننا أخذنا على المجتمع في السودان وإن شئت الدقة قل المجتمعات السودانية… هذا الموقف لأنه مجتمع هجين وليس فيه نقاء عرقي … مجتمع لحم راس …يبقى لزوم (الفلهمة اللونية دي شنو ؟) علماً بأن فطرة هذا المجتمع أي غريزته ليس فيها عنصرية بدليل أن الاشتهاء العاطفي متدامج بين كل مكونات لحم الراس السوداني… وهنا أنا ما بفسّر وإنت ما تقصّر ..بالمناسبة مصطلح (الاشتهاء العاطفي) ملكيته الفكرية للبروفسور جعفر ميرغني …في المقالات السابقة وصلنا لخلاصة إن القبلية وليست القبيلة هي السبب في التعنصر .. فالقبيلة اجتماع بشري ليس فيها مشكلة ولكن عندما تُبنى عليها ممارسات مؤذية تصبح قبلية أو قبائلية مرفوضة… ولحسن الحظ إن القبيلة قابلة للتجاوز …لابل يجب تجاوزها إذا أردنا أن يكون المجتمع في نفس حداثة الدولة ..
(2)
تجاوز القبيلة يتم بتحديث المجتمع وهذا قد تم في بعض أجزاء السودان ..فالمدينة السودانية الحديثة تجاوزت القبيلة وأصبحت علاقة الفرد فيها مرتبطة بالدولة مباشرة … وما نراه الآن من تجمّعات قبلية في المدن لا يعدو أن يكون جمعيات خيرية لخدمة الأهل.. ربما تكون جمعيات قبلية تآمرية أي لديها أهداف غير معلنة فهي الأخرى اختيارية
لكن المشكلة في القبلية المرتبطة بالأرض والآن تحوّرت لتكون من مطالبها المناصب الدستورية في المركز وفي الولايات لزوم اللغف وكدة..فهذه حلها يبدأ من تحديث الأرض وتحديث الأرض يعني تحويلها من الاقتصاد المعيشي الي الاقتصاد الحديث أي النقدي وهذا يبدأ بإنهاء الحاكورة أي تحويل الملكية الجماعية إلى فردية وهذا لايتأتى إلا بإقامة مشاريع زراعية حديثة (الزراعة بشقيها النباتي والحيواني) ولكم في مشروع الجزيرة أسوة حسنة في (الحتة دي بس )فالانجليز رضي الله عنهم حلوها حلاً عبقرياً…باختصار انهم أمموا المنفعة من الأرض (في السجلات الأرض باسم الدولة وباسم الأفراد) لكن في الاستعمال اي المنفعة تتحكم فيها الدولة ممثلة في إدارة المشروع …. مساحة المشروع اثنين مليون ومائتى الف فدان وهي مسجلة كحواشات باسم 150 الف مزارع فقط ويسكن الجزيرة ست مليون نسمة ..هذا يعني أن نسبة الذين يمتلكون الأرض في الجزيرة ملكية منفعة نسبة تكاد لا تذكر … وهؤلاء المزارعون ليسوا أغنى الناس في الجزيرة.. فالمشتغلين في قطاع التجارة وقطاع النقل وقطاع الخدمات والعمالة الزراعية والصناعة والتوظيف كل هذه القطاعات حرّكتها الزراعة … لكن الشاهد ان القبلية انتهت لأنها ضربت في مقتل أي في بنيتها الأساسية.
(3)
لايعني ما ذكرناه أعلاه أن الوضع في الجزيرة عسل على لبن… فهذا ليس موضوعنا… إنما قصدي تقديم نموذج لإنهاء القبلية بما يفيد كل الناس حتى زعماء القبائل أنفسهم … عليكم الله اسمحوا لي بحبة تخريمة… باب حاطب ليل هذا مهموم جداً بأحوال مشروع الجزيرة وقد جمعت بعض مقالاته في كتاب وهو الآن قيد الطبع وعنوانه (مشروع الجزيرة …لا لقيناك وفرحنا ولا نسيناك واسترحنا) عودة إلى موضوعنا وإن لم نبعد عنه كثيراً…. فنحن اليوم محتاجين لتحديث أرض الريف السوداني لزوم التنمية ومحاربة الفقر.. والخروج من محطة التخلّف الاقتصادي …وفوق البيعة للخروج من التخلّف الفكري والأخلاقي العنصرية والجهوية ..يعني الحكاية ليس اقتصادية بحتة أكل وشراب وكل الذي منه بل فيها بعد قيمي … فالزراعة الحديثة قاطرة تجر كل القطاعات الاقتصادية كما أنها بلدوزر يحطّم المنظمات العشائرية المتخلفة … لقد أصبحت ايدلوجية متكاملة (بالله شوف الزراعة بت كلب كيف؟) طبعاً يا جماعة ركزنا هنا على الزراعة الحديثة بشقيها الزراعي والحيواني وفوق البيعة التصنيع الزراعي … لأن السودان لديه فيها أفضلية واضحة وبراكم شفتوا الاقتصاد الريعي عمل فينا شنو في النفط سابقاً والآن في الذهب ..أها سكت ..






