حديث السبت
يوسف عبد المنان
التغييرات في الجيش هل هي بداية الإصلاح؟
متي انعقد آخر اجتماع لمجلس السيادة ومجلس الأمن والدفاع؟
كامل إدريس يمثّل الحكم المدني ويخوض في وحل شديد اللزوجة
1
التغييرات التي أعلنها الرئيس البرهان هذا الشهر وصفت من قبل كثير من الكتاب والمنشغلين بقضايا السلطة والسياسية بأنها قرارات( اصلاحية) تبدأ بالمؤسسة العسكرية ولا تنتهي عند مجلس الوزراء ولكنها تمضي للهيئات الحكومية والنائب العام وديوان المراجعة القومي ولكن بدا أن قطار الإصلاح الشكلي لايعبر بالسودان من واقعه الحالي في ظل غياب المؤسسات الكبيرة عن أداء دورها وممارسة سلطاتها مثل مجلس السيادة الذي فوض صلاحياته لرئيس المجلس وذهب في إجازة طويلة ومجلس السيادة باعتباره السلطة العليا في البلاد اجتماعاته معلنة للرأي العام وكان حرياً بالمجلس السيادي انتداب أحد الأعضاء للتحدّث باسمه أو اختيار أو تعيين من يعبّر عن المجلس ليصبح متحدثاً باسمه ولكن السؤال متى انعقد آخر اجتماع لمجلس السيادة وهل تفويض المجلس لرئيس المجلس ليقود البلاد تفويضاً بأجل أم تفويضاً مفتوحاً ،وإذا كانت ظروف الحرب في السنة الأولى والثانية جعلت من المتعثر عقد اجتماعات راتبة لمجلس السيادة فإن الأوضاع الآن مختلفة جداً وعودة الحكومة للخرطوم تقتضي عودة كل أعضاء مجلس السيادة لأم درمان وبحري وضرب رئيس البلاد المثل والقدوة في البقاء قريباً من الشعب ولكن أغلب بقية أعضاء مجلس السيادة آثروا الصمت المريب والسكون من غير حركة باستثناء الفريق مالك عقار أكثر رجال الدولة حيوية ونشاطاً داخلياً وخارجياً، ولكن هل لأعضاء مجلس السيادة أصلاً مهام واختصاصات من غير سلطتهم السيادية ككيان وليس أفراد وعملية الإصلاح لاتبدأ من أسفل الي أعلى ولايظنن أحدا إن إصلاح الدولة في إصلاح المحليات الإدارية أو المحافظات أو الولايات ولا حتى مجلس الوزراء إذا لم يبدأ الإصلاح من مجلس السيادة بانتظام عقد جلساته والفصل مابين ماهو سيادي وماهو تنفيذي وعقد اجتماعات دورية لمجلس الأمن والدفاع الذي يتعاظم دوره في أوان الحرب لا السلم والبلاد الآن نصفها تقع تحت وطأة الحرب والمسيرات وربما يقول البعض إن الدعوة للإصلاح ليس هذا أوانها ويعيد رفع شعار عبدالناصر القديم (لاصوت يعلو فوق صوت المعركة) وتحت هذا الشعار انتهكت حرمات وانتقصت حقوق وأهدرت قيماً والحرب التي يتحدّث عنها عبدالناصر هي حرب أكتوبر التي استمرت لمدة ١٩ يوماً فقط بينما حرب السودان دخلت الان عامها الرابع وأصبح المواطنين لايبالون بأن سقطت مدينة أو استردت أخرى وتلك حالة مميته جداً لا صحوة منها الا بالإصلاح الذي قال عنه الدكتور محمد المجذوب في أطروحته معالم المشروع الإصلاحي (لاتبدو قضية إصلاح مناحي الحياة السودانية من شاكلة القضايا الفرعية أو المرجاة أو الطارئة لكونها قضية تاخذ بسنام الحياة السودانية وشعبها المختلفة بدءًا من تحديد المجال الفكري مروراً بعناصر الظاهرة محل النظر رويتها وادواتها ومداخلها ومناهج قواعد تحليلها وتفسيرها)، الراهن الذي نعيشه تخلّق من إرث ثوري يفقتر للنضج السياسي عمد على تخريب الحياة العامة بدعوى الانتقام من خصومه السياسيين ووجدت القوات المسلحة نفسها أمام طريقين كلاهما يقودان إلى الحائط المسدود أما رهن القرار لمجموعة دولية تقف من أمام وخلف اتفاق سياسي لا يقصي الخصوم السياسيين فحسب إنما يضع السكين في عنق القوات المسلحة لجزه واما الانقلاب على ذلك والدخول في مغامرات جديدة ذلك ماحدث الآن حيث تسعى النخبة الحاكمة للعودة إلى حليفها المدني القديم ظناً أن ذلك الحليف قادراً على إيقاف الحرب وإصلاح ما أفسدته سنوات مابعد رحيل البشير عن السلطة لا الدنيا.
2
إن إصلاح مؤسسة السيادة التي فقدت إثنين من أعضائها الأولى العضو سلمي عبدالجبار التي تقدّمت باستقالتها بعد واقعة موظف الأراضي الشهيرة والتي اطاحت بذات القدر امين حكومة ولاية الخرطوم وفقدت مؤسسة مجلس السيادة العضو ياسر العطا الذي أسندت اليه مهام رئيس الأركان خلفاً للفريق المتقاعد محمد عثمان الحسين وبقدر التفاؤل الذي ساد الشارع العام بتولي ياسر العطا قيادة الجيش الفعلية واشرافه على العمليات التي تمثل الآن الفريضة الأولى فإن مجلس السيادة قد خسر عضواً له صوت ومواقف معلنة مشرفة جداً حيث يستحيل أن يجمع ياسر العطا بين الإثنين قيادة هيئة الأركان وعضوية مجلس السيادة لأن ذلك يشكل تسييساً لمؤسسة قومية ظلت بمنأى عن السياسة لحقب متعدّدة. وتجربة البرهان التي تدخل عامها السابع الآن حاكماً للسودان تعصمه من الانزلاق إلى تسييس قيادة أركان الجيش وحتى في حقبة الإنقاذ التي شهدت تسييساً للجيش حافظت رئاسة الأركان على وضعها فوق الصراعات السياسية وكان الرئيس السابق عمر البشير ياتي في الغالب برئيس أركان الجيش وفق مايراه مناسباً وكثيراً ماجاءت تقديرات البشير مصادمة لضباط عرفوا بالانتماء السياسي للحركة الإسلامية وفي بواكير عهد الإنقاذ جاء بالفريق إسحق إبراهيم عمر وهو ضابط مهني بلا لون سياسي وأعقبه الفريق حسان عبدالرحمن وهو أقرب للصوفية من الحركة الاسلاميه وحاج أحمد الجيلي وهو مشهور كضابط ختمي وعين رئيساً الأركان الفريق عماد عدوى الذي كان يبغض الإسلاميين ولا يكترث حتى للفريق عبدالرحيم محمد حسين وخرج عماد عدوى بسبب قوات الدعم السريع التي رفض حتى مبدأ إجازة قانون لها في البرلمان كما رفض الفريق مصطفى عبيد وكل هؤلاء لاصلة لهم بالسياسة ولكن الآن تبدو التغييرات التي أعلنت فرضها الواقع في الميدان في انتظار التغيرات في مجلس الوزراء الذي غابت عنه الوزيرة الأكثر حضوراً ليمياء عبدالغفار حيث أنها فقدت منصبها على خلفية الصراع بين الفريق إبراهيم جابر والدكتور كامل إدريس الذي تعفى الوزيرة وترك المقعد شاغراً حتى اليوم وهو موقع يمثل أهمية كبيرة جداً لأنه بمثابة قلب الحكومة النابض المنسق الذي يقود الجهاز التنفيذي ورغم أن البعض بدا إطلاق اسم حكومة الألم بدلا عن حكومة الأمل ولكن الدكتور كامل إدريس مهما نعته البعض بالضعف فإنه يمثل التغيير نحو الحكم المدني والرجل يخوض في وحل شديد اللزوجة العسكريين يسعون بكل قوة للحفاظ على وجودهم في السلطة وكامل إدريس بطبيعته رجل مدني يميل للتوافق وينأى عن الصراعات التي من شأنها اجهاض التجربة بأكملها وهو لايملك القدرة على الصراع باعتباره معيناً من قبل مجلس السيادة أو من قبل رئيس مجلس السيادة ولم يأت لموقعه الحالي بالانتخابات أو حتى بالإجماع الثوري مثلما كان سلفه عبدالله حمدوك وكامل إدريس يستطيع تعديل نصف أعضاء مجلس الوزراء باستثناء وزراء الدفاع والداخلية والخارجية ووزراء الحركات المسلحة التي تمثل ثقلاً كبيراَ في المجلس ولم يتبق لدكتور كامل إلا وزراء الاتصالات والصحة ومجلس الوزراء والبيئة والعمل والصناعة وبالتالي أي قارئ منصف أو سياسي غير متحامل يبرئ ساحة كامل إدريس من ضعف مجلس الوزراء ولكنه بالطبع مسؤلاً عن غياب اجتماعات المجلس ولن يتحقق الإصلاح المنشود الا بانتظام مجلس الوزراء في عقد جلساته وإنهاء حالة الترحال بين الخرطوم وبَورتسودان.
ومن فضائل الدكتور كامل إدريس انه يقطن في بيته الخاص ولا يهدر المال العام على نفسه ومن حوله بل كثيرا ما اعتبره البعض متقشفاً حد التقتير مع أنه عاش في سويسرا وتسنّم مناصب جعلته يعيش في رغد من الحياة الناعمة.
3
ذلك حال الحكومة الاتحادية ولكن الأوضاع في الولايات أكثر سوءًا ويصعب إصلاحها في غياب حتى القوانين التي تحكم الولايات والدساتير التي كانت تجعل من كل ولاية مقاطعة شبه مستقلة عن المركز وجاءت وزيرة في عهد حمدوك لاتفقه في الحكم الاتحادي إلا مايفقه الرجل في خضاب المرأة وتم الغاء قانون الحكم الاتحادي بسوء تقدير سياسي واتجهت الحكومة بعد الحرب لتعيين ضباط إداريين وضباط معاشات من القوات المسلحة بعثت بهم من مراقدهم القديمة واسندت لهم إدارة ولايات البلاد وأبعدت الكفاءات أما بسبب شكوك حول انتمائها الإسلامي أو القحطاوي أو موالاة المليشيا أو الحركات المسلحة وفشل الضباط الإداريين باستثناء تجربتي أحمد عثمان حمزة في الخرطوم ووالي الجزيرة الطاهر وتبدّى الفشل في النيل الأبيض والشمالية ونهر النيل ومن أسوأ تجارب الحكم الولائي تعيين ولاة ووزراء ومعتمدين في ولايات هي في قبضة التمرّد مثل شمال وغرب ووسط وجنوب وشرق دارفور ودون حياء يطل هؤلاء في أجهزة الإعلام يتحدثون عن رأي شى إلا متى تحرر الولايات وجميع هؤلاء الموظفون عاجزين عن حشد إرادة مواطني تلك الولايات للقتال وتحرير أرضهم وتنفق عليهم الحكومة مليارات الجنيهات والمركبات وإيجار فنادق وشقق وهم عطالة بلا مهام حتى والي وسط دارفور الذي يظهر في الاعلام بالذي العسكري لم يقدم للقوات المشتركة الف مقاتل لتحرير زالنجي.
وإزاء هذا الواقع كيف للدولة ان تنهض وهل التنقلات والتعيينات التي تصدر من وقت لآخر يمكن إطلاق صفة الإصلاح عليها أم الإصلاح شى آخر كما فصلنا في صدر المقال.






