حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
السودان الرابع والسنة الرابعة
(1)
شرعت في كتابة هذا المقال في يوم الأربعاء 15 أبريل الجاري لأنه صادف اليوم الأول للسنة الرابعة من الحرب المندلعة الآن في السودان …تذكّرت تفاصيل ذلك اليوم من عام 2023م … عندما استيقظت من النوم متأخراً بعض الشي .. لأني لجأت للنوم بعد صلاة الصبح بعد ليل رمضاني أمضيت جزء منه في العبادة حيث كان في العشر الأواخر من رمضان…. ومع القيام كانت هناك شوية قراءة وكتابة ومشاهدة تلفزيون …الحمد لله ما عندنا قشة مرة… بنشيل حاجات كتيرة مع بعض وإن شاء الله ما تتكسر ….فتحت الموبايل الذي كان مغلقاً.. فوجدت كمية غير عادية من الرسائل.. ولما فتحت بعضها وجدتها كلها تتكلم عن الخرطوم التي تحترق… فهرعت الي القنوات …و”الهرعة الياها”…رجعت بي الذاكرة إلى تلك الليلة أي آخر ليلة قبل الحرب … والتي كانت ليلة عادية في ساعتها .. فتملكني احساس بأنها كانت آخر ليلة هادئة في فيما تبقى لي من حياة …حتى الآن مرت ثلاثة سنوات لم أشم فيها ريح تلك الليلة… وليس في المستقبل القريب ما يشي بأنها ستعود …ياربي هل هي الليلة الأخيرة على وزن العشاء الأخير ؟…أمام هذا الاحباط الممزوج بالحنين الجارف والشجن لم استطع الكتابة فتركتها …ثم غالبت نفسي بأن الاستسلام للياس ليس من صفات المؤمن وان التمسك بالأمل هو الواجب و (القلم طاوعني تاني قلت ارجع للكتابة) كما غنى محمد أحمد عوض ..
(2 )
الحرب الحالية هي رابع حدث هام في تشكيل السودان الحالي …الحدث الأول كان في 1821 ..عندما غزا محمد علي باشا بلاد جنوب مصر…. معلناً عن قيام دولة جديدة اسمها السودان … ونهاية تلك الممالك التقليدية …وقد كان مهر ذلك التحول دماء كثيرة …أبرزها ما سال في حملات الدفتردار الانتقامية ..الحدث الثاني في 1881 عندما حرر محمد أحمد المهدي الخرطوم… معلناً قيام دولة دينية أممية ..وهذة الدولة ستكون نواة لدولة دينية كبرى تسود كل العالم …إنها دار الإسلام المهدوية وغيرها ستكون دار الحرب ..وقد قامت هذة الدولة بالسيف والنار… حتى ولو قالها سلاطين باشا فهي الواقع…
الحدث الثالث هو غزو كتشنر للسودان وقيام دولة الحكم الثنائي …مع أنه في واقع الأمر حكم احادي ..لكن علينا بالظاهر إذ ان دستورها كان الاتفاقية التي وقعها اللورد كرومر وبطرس غالي في 1898 ..وهذة النقلة هي الأخرى أُريقت فيها شلالات من الدماء(كرري تحدث) ..أما الاستقلال في 1956م، ودون التقليل من قيمته فلم ترق فيه اي دماء… إذ كان عبارة عن تبادل اعلام ووداع بالاحضان.. لذلك كان نقلة شكلية … فلو اجتهد يوسف عزت في البحث لقال دولة 98 بدلاً من دولة 56.
(3)
الحدث الرابع هو الذي بدأ في 15 أبريل 2023 ومازال في حالة صيرورة … حتى الآن الدماء التي أُريقت والدمار الذي حدث فاق الثلاث التي سبقته.. والساقية لسه مدورة … لذلك سيكون من الطبيعي أن يحدث تغييراً يفوق ما حدث قبله …نعم حتى الآن لم يتبلور سودان ما بعد الحرب أي السودان الرابع المنتظر …وباب الاحتمالات مفتوح على مصراعيه ..فهناك احتمال أن ينهض من هذا الركام سودان قوي موحد… يفوق الصغار والكبار والقدرة …وهذا ما نتمناه… وهناك احتمال أن يتفرتق السودان حتة حتة… وهناك احتمال ان ينقسم … المشكلة الان إن المكون الخارجي في مجريات الأمور في السودان أصبح هو الطاغي ..الطريقة التي سوف تنتهي بها الحرب هي التي سوف تحدّد شكل السودان القادم .. …هل سوف تحسم المعركة عسكرياً؟ هل ستنتهي باستسلام؟…هل ستنتهي بتفاوض ؟هل ستنتهي بتدخل خارجي؟والباب هنا أيضاً مفتوح على كل الاحتمالات …الذي نود قوله أنه من المبكر.. أو على الأقل في هذه اللحظة.. لن نستطع رؤية سودان ما بعد الحرب الحالية.. ولكن المؤكد سيكون سوداناً رابعاً مختلفاً…سوداناً جديداً بحق وحقيقة طالما أن السودانات الثلاث اللائي جئن الي الوجود بالدم والنار …فهذا السودان الرابع قد جاء بدماء أغزر و نيران أكثف لذلك سيكون الاختلاف فيه أكبر … فاللهم أجعله خير …وبعدين معاك يا سودان الغزوات …اثنين من الشمال واثنين من الغرب .. اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ونسألك اللطف فيه …لقد أجاز الاصوليون الدعاء برد القضاء.






