د.عبد اللطيف البوني يكتب : سر النجاح في الزراعة

حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني

سر النجاح في الزراعة

(1)

أحد أعمامنا من المتأثرين بالثقافة المصرية كان يقول (الليأكل وما يحسبش يفقر وما يدريش ) أظن المعنى واضح وهو يجب أن ترصد منصرفاتك لأن هذا يعني تلقائياً إنك تحسب دخلك ..وعلى دخلك ومنصرفك توزن ميزانيتك الا وستجد نفسك أبيض …وأبيض تعني (أباطك والنجم ) وإن شئت قل إبطك والنجم والشرح الكثير يفسد المعنى كما يقول العلامة عبد الله الطيب … الاقتصادي الراحل عبد الرحيم حمدي كان يقول أي كلام في موضوع اقتصادي بدون أرقام يعتبر كلام فارغ …الإحصاء هو روح الاقتصاد ..هذه الرمية أردت التوسل بها للكلام عن الموسم الزراعي الذي مضى …وبالمناسبة السودان موسمه الزراعي يتكون من جزئين صيفي وشتوي …وهذه ميزة نادرة لا تتوفّر إلا لدول قليلة على رأسها الولايات المتحدة …لكن المفارقة أن الولايات عبارة عن قارة كاملة تقع على محيطين فلها ساحلان …البحر مع جبال الانديز والبحر مع جبال الكروكي… بينما السودان في معظمه دولة قارية… ومعظم إن لم نقل كل إنتاجه الزراعي بعيداً عن الساحل ….شوفوا النعمة الربانية دي كيف ؟.

(2)
في السودان ليس لدينا إحصائيات موثوقة في أي شي بما في ذلك عدد السكان ..فمتى كان آخر إحصاء علمي ؟ وهل أجرينا أي إحصاء بعد انفصال الجنوب؟احسن تسألوا العنبة…أكاد أجزم لو كان عندنا احصاءات دقيقة وقمنا بها لحصر كلما ما أنتجنا من محاصيل في الموسم الذي انصرم لوصلنا إلى نتائج مذهلة .. نتائج تحطّم كل المسلمات الاقتصادية المعروفة الان …أحد الأساتذة في المرحلة الثانوية كان يسخر من أهل الجزيرة ويقول إنهم يعيشون على فتامين زيرو وهو لم يكتشف بعد ..كان ذلك في مطلع سبعينات القرن الماضي …حيث الكسرة البايتة …وملاح أم تكشوا..نرجع لموضوعنا وإن لم نخرج عنه …الموسم الزراعي الذي انصرم كان استثنائيا ..فالحرب مازالت مستمرة …وكل آليات الدولة الحية مسخرة للمجهود الحربي… وما تبقى غارق في الجبايات والفساد …ورغم ذلك زرع الناس وحصدوا وغذوا بمحصولاتهم وخضرواتهم وفواكههم الاسواق …لابل هناك صادر …ويكفي أن برنامج الغذاء العالمي اشترى ذرة رفيعة بملايين الدولارات من السودان لدولة جنوب السودان… في الوقت الذي تقول فيه بعض وكالات الأمم المتحدة إن السوداني يعاني من المجاعة …ليتها قالت اسم الدلع فجوة غذائية أو قالت إن هناك سوء توزيع ..لكانت مبلوعة … أها النديكم المعلومة الطازة دي …زيادة كبيرة في عدد المواليد في السودان ….المعلومة دي مؤكدة…سنرجع لها إن شاء الله
(3)
الجزيرة وبقية المشاريع الأربعة المروية ليس لديها عذر في عدم الإحصاء الدقيق… إذ من السهولة بمكان معرفة كلما زرع فيها وما حصد منها …لكنها المحقة السودانية والتسيّب …قديماً كان هناك ما يعرف بالتملية …حيث يذهب خفراء القنوات ويملوا على المفتّش كلما ما طرأ على حواشات القناة سرابة سرابة… ولكن الآن لاحصر إلا عن طريق جباة الضريبة وما أدراك ما الضريبة وهذه مهزلة جديدة ..المهم في الأمر أنه رغم تعرّض مشروع الجزيرة لدمار رهيب أثناء الغزو… ووجود الدعامة إلا أنه بفضل همة المزارعين وحاجتهم… وهمة بعض الإداريين ..على رأسهم مهندسي الرى تمت زراعة مساحات لابأس بها من المشروع… والانتاجية كانت دون المتوسط للظروف المعروفة …أما الدولة ممثلة في وزارة المالية فقد استعصمت بالقول إن المشروع لا يتبع لها لأن لديه قانون خاص …علماً بأنها مقرة تمام الإقرار أنه المؤثر الأكبر في الوضع الاقتصادي العام …فمثلاً لو أعلنت الوزارة سعراً تشجيعياً للقمح لتضاعف إنتاجه ووفرت للخزينة العامة ملايين الدولارات مقابل نقود سودانية كما حدث في عام مضى …لكن تقول شنو.
(4)
اما الزراعة المطرية هي ست الجلد والراس وهي الشايلة السودان …الحديثة منها و التقليدية …لكن في سنة الحرب هذه التقليدية كانت هي المنقذ …حيث الكثرة غلبت الشجاعة …عشرات الملايين من الأفدنة إنتاجية متدنية جداً الفدان جوال أو جوالين لكن المجموع ملايين الأطنان والحمد لله رب العالمين ….كل هذا بعد فضل الله فضل الحيازات الصغيرة …. نعم أكثر من ٦٠٪ من الأرض المزروعة في السودان عبارة عن حيازات صغيرة..بما في ذلك حواشات المشاريع المروية .. وهذا هو سر الإنتاج الزراعي الوفير الحادث الآن …فلو كانت كل الزراعة في السودان عبارة عن مشاريع كبيرة وحديثة لتأثرت بالحرب الأهلية وفوق البيعة مضيق هرمز ..أمانة يا الفقر ما ليك حوبة …وبعد دة كله يجيك واحد يقول إن الحيازات الصغيرة عطّلت التطوّر الزراعي في السودان ..إن شاء الله لنا عودة لهذه الحيازات الصغيرة المجني عليها دون علم أو معرفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top