داليا الياس تكتب :ذكريات للبيع

اندياح

داليا الياس

ذكريات للبيع!!

*هناك أناس يعيشون للمستقبل…فيصبح طموحهم (ميكانزم) حياتهم..وأحلامهم وقودها….وهناك أخرون لا يملكون شئ سوى حاضرهم…. ولا ينظرون أبعد من تحت قدميهم….لا يقلقهم أمر المستقبل ولا يبكون على حائط الماضي….وبين هؤلاء وأولئك تجد فئة ثالثة نصفها يعيش على الماضي ونصفها الآخر (يعتاش) من ورائه !.. فالذي يعيش على الماضي هو في الغالب إنسان لم يحقّق شيئاً مما تمناه فظل على ولائه لزمن الأحلام الوردية يرى أن أمس _ دائماً_ أفضل من اليوم ولا يستطيع تغيير هذه الفكرة الرجعية لانه يرفض كل ما حوله ربما لفرط تشاؤمه أو لفجيعته في أمانيه العذبة أو لأن ماضيه إرتبط بمشاعر قوية لديه مهما كان نوعها.
*أما النصف الآخر الذي اتخذ من ماضيه سبيلاً للرزق … فليس أبلغ من مثالٍ عليه سوى الرئيس الأمريكى الأسبق (بيل كلينتون) فهو _عندما كان رئيساً_ كانت الفضائح والديون الناتجة عنها تلاحقه أينما سار بعد أن أصبح زبوناً دائماً لدى مكاتب المحامين بسبب الدعوة المرفوعة من (مونيكا) وغيرها… لذلك لم يكن مستقبله زاهراً بعد أن ترك سدة الحكم…فكل ما لديه من مؤهلات كونه رئيس سابق ودنجوان ولم يجد للأسف منصب رئاسي شاغر في كل العالم ليشغله ويقدم خبراته…فما الذي تبقى له ليصبح مصدراً ثابتاً للدخل يهئ له حياةً كريمة كالتى إعتاد عليها داخل البيت الأبيض؟؟؟!!…إنه الماضي.
(فكلينتون) يعيش حتى الآن على ماضيه..وقد حقّق في سنة واحدة عوائد مادية توازي كل ما حققه خلال سنواته الثمانية التي قضاها في الحكم!.
فالمحاضرات التى ألقاها عن تجربته وذكرياته وأخطاؤه وحدها أدخلت إلى حسابه المصرفي حوالى ٢٠٠ مليون دولار حتى الان!! ولازالت العروض تنهال عليه من كل حدب وصوب في أنحاء المعمورة ليحكي.
*إذن…(كلينتون) الذي باع مذكراته فقط في حينها مقابل 12 مليون دولار بينما باعت زوجته (هيلاري) مذكراتها ب8 ملايين بات يؤمن تماماً بالمقولة الشهيرة (الماضي يبيع)…وبينما يحاول الغالبية أن يتناسوا ماضيهم _لا سيما الحكام_ يجتهد هو في تذكر كل صغيرة وكبيرة ولا يعنيه كثيراً ما يوصم به بعد ذلك… وعلى كل زوجة أيضاً أن تكون من الحكمة بالقدر الذي كانت عليه (هيلارى) وتؤمن بأن ماضى الزوج الأسود يصلح فى اليوم الأبيض.
ويحقق أرباحاً كبيرة ولا يعتبر من الخسائر الشخصية…فهى لم تكتف بأن غفرت لزوجها خيانته العظمى فحسب.. .ولكنها بادرت أيضاً لكتابة مذكرات موازية لمذكراته وكأنها تريد أن تقول لكل العالم (لقد كنت قريبةً من الحدث ورأيت مالم تروه)!!.
*إن تجربة هذا الثنائي المدهش تجئ على غرار بيعنا للأشياء القديمة المهملة داخل بيوتنا لبائع الخردة…فنحن قد لا نحتاجها ولكن هناك آخرون مستعدون دائماً لشرائها…وقد لا يرجئ الكثيرون المنافع الكبرى التى حققها (كلينتون) بذلك النشر الفاضح لغسيله القذر لأى سبب شخصي يتعلق به بقدر وجود المرأة فى حياته سواءاً كانت زوجته أو غيرها من نماذج جديرة بالوقوف عندها ولو قليلاً.
*ترى ..هل سيفكر حكامنا العرب يوماً فى بيع مذكراتهم؟ وكم من الأرباح سيحققون حينئذٍ؟ أم أنهم لم يعودوا فى حاجه للمزيد من المال كما أن زوجاتهم غير مستعدات لإبداء ذلك التسامح النبيل؟..إن الأمر لا يقتصر على الرؤساء والحكام ولا الساسة والوزراء فحسب…ولكنه يمتد ليشمل كل اولئك الذين يعمدون للهروب من ماضيهم والتنكر له بكل ما فيه ومن فيه.. وهم لا يعلمون أن الناس لم تعد تقول لأحدهم (لا تنس ماضيك) من باب المعايرة كما كان فى السابق.. ولكنها عباره تدعو أصحاب ذلك الماضي من الكبار للإستثمار .. فلم يعد البخل ولا الجحود وحدهما يحققان أعلى المكاسب..ولكنه الماضي الذي كلما كان وضيعاً كلما إرتفعت أسهم صاحبه فى بورصة الذكريات.

*تلويح:
مهما كان الماضى سيئاً وبلا قيمه..يظل لذكرياتنا ثمن!!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top