محمد عبدالقادر يكتب: «كومون» و«يوسفها» .. هيّجتني الذكرى

على كل

محمد عبدالقادر

“كومون” و”يوسفها” .. هيّجتني الذكرى

“هيّجتني الذكرى” مثلما غنّى “الفنان الذري” إبراهيم عوض وأنا أدلف إلى “صالة كومون” الفخيمة بمطار ببورتسودان الأسبوع الماضي متجهاً إلى الخرطوم الحبيبة على متن طائرة الشركة المحترمة “تاركو”.
حملتني ذاكرة الأيام اليانعة لتطوف بي في رحاب الزمن الجميل .. حينما كانت “شركة كومون” تفتَر بسمتها المضيئة فى مطار الخرطوم، وتحدّثنا عن إشراقة الوعي والحضارة، وإيماض الوعد والبشارة في كل يوم جديد.. تقدّم خدماتها فى تيسير الأسفار للمغادرين والقادمين بلطف وأناقة وذوق، تحملهم على كفوف الراحة وتضعهم داخل صالات وثيرة
يحدث كل ملمح فيها عن جمال أخاذ ورقي لم يكن يشبه البؤس الماثل فى زوايا المطار المُتعبة والمنهكة بالاهمال وضعف الإرادة والخيال…
كانت “صالات كومون” التى تقول لافتتها أنها ل”كبار الشخصيات” مفتوحة لكل السودانيين، تأخذهم أيدي طاقمها الرحيمة على وسائد الرضا بما تقدٍمه من خدمة وما تجزله من وعي بقيمة الاستثمار والتسويق في “بزنس المطارات” .. استطاعت “كومون” أن تخاطب احتياج الناس لمطار يشبه ما نراه فى الدول المتقدّمة الحاذقة لحرفة التسويق وإرضاء العملاء ، قدّمت عبر صالاتها خدمات أسهمت في ترقية بيئة مطار الخرطوم ولطالما أوقدت شموعاً بدلاً من أن تكتفي بلعن الظلام ..
ظلت “صالات كومون” سابقاً “ساس” حالياً وثيقة تأمين ضد القبح والرتابة فى بلادي، وبطاقة عبور إلى دنيا التحضّر وعالم الادهاش، اجتهدت فى تعويض الشعب السوداني عن ما يفتقده فى مطار أكل عليه الدهر وشرب، كانت تحدّث الناس بوجود نماذج ناجحة فى إدارة الصالات يمكن أن تضع السودان فى قائمة الجمال بدلاً عن الإرهاب.
ظلت “كومون” تجربة باهرة في تسويق السودان وهي تفتح صالاتها معبراً للأصالة فتقدمه للعابرين خاصة الأجانب “نخلة وبابنوسة وجلابية وتوب وحضارة تشبه تاريخ أهله الباذخ..
رجوع صالات “كومون” لادارة أسفار السودانيين عبر صالاتها المبهجة وخدماتها المحترمة، أشبه بعودة الروح للجسد.. رجعتها تماثل إشارات الطلق السعيد لحالة ولادة عسيرة عاشها السودان طيلة الثلاثة أعوام الماضية…
عادت “كومون” اليوم كوفد مقدمة لرجوع السودان بكل تفاصيله المشرقة تحدّث الناس عبر طاقم مبدع وخلاق بقيادة مهندسها ورائد فكرتها الشاب يوسف محمد الحسن، أو “يوسف كومون” مثلما يحلو لنا أن نناديه ..
ظللت مأخوذاً بأفكار هذا الشاب الخلاّق وقدرته على التفكير خارج الصندوق دائما ومن حوله شباب مثل ” صباح العيد” يؤدون مهامهم فى استقبال ووداع المسافرين بابتسامة وهدوء ، ولطف وتلطف…
يوسف الذى نسبته إلى “كومون” شاب يانع ومشرق، افترع مسارات النبوغ باكراً فسبقت تجربته عمره بكثير بعد أن خط اسمه فى قوائم ” رجال الأعمال” النبلاء” المشبعين بحب الناس والبلد..
كيف لا وقد نشأ فى كنف “الصحافة” فتشرّب بالمهنة التي غادرها سريعاً لكنها لم تغادره، ظل وفياً للبلاط ومنتسبيه من زملاء “مهنة النكد”، يقاسمهم المصير والأشواق والهموم ، مما جعله إبناً باراً بأساتذته، واخاً صادقاً لزملائه ومجايليه، وناصحاً قريباً ومتفقّداً للملتحقين بالمهنة حديثاً ..
كثيرة عندي مداخل الاحتفاء ب”سيرة يوسف”، أولها أنه صحفي تتكرّف فى قربه عطر المهنة وانسان تبرق فى ابتسامته الطيبة أضواء المحبة، صاحب سيرة نضرة ” فى مساحات البزنس ، ومقامات الحياة.. اعتاد على صناعة الفرق والدهشة، فجاءت تجربته مختلفة ومن بينها “كومون” الاسم الزاهي فى ذاكرة سودان ما قبل الحرب .. وبعده باذن الله ..
لم تكن “كومون” مجرّد صالات فخيمة تستدعي الأجواء الباريسية وطقوس المقامات الغربية إلى داخل السودان، لكنها تمثل جزءّا من ذاكرة اهله تتصدّر قائمة مقتنياتهم العزيزة ، فقد أوسعتهم كرماً وضيافة وإدهاشاً عندما “كان الزمان لسع رضي، والناس ظروفا مقدرا”…
انشأ يوسف صالاته التى توسّطت الأرض اليباب فى مطار الخرطوم، ولمعت مثل جوهرة ، فى ظلام حالك، كانت زهرة فوّاحة نبتت وسط ركام المباني القديمة والصالات المتهالكة، لا لتقدم الخدمة لكبار الشخصيات فحسب بل لكل السودانيين فى طقوس توثّق لعظمة التجارب الكبيرة.
هنيئا للسودان بعودة كومون، رمانة الحسن وبوصلة الجمال ، وسيدة شركات “بزنس المطارات”، وأتمنى أن تكون قريبة بأفكار قيادتها وأبنائها من مشروعات إعمار وتأهيل المطار وبعثه أو إنشاء آخر بديل، وفي كل حال نتمنى أن نجد فى مطار الخرطوم عطر يوسف وبصمته فهو قادر دون غيره على إحداث الفرق دائماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top