حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
ويسألونك عن التحليل
(1)
دون سائر ضروب الرياضة انفردت كرة القدم بالشعبية الأكبر وعلى نطاق العالم وذلك لأسباب ذاتية تخص كرة القدم ولعل أهمها أنه يمكن ممارستها في أي بقعة من بقاع العالم وكل مطلوباتها موجودة في أي مكان …المرمى يمكن أن يكون أكوام من التراب والكرة يمكن أن تكون خرقة بالية محشوة ب(دلاقين) ولا حتى شراب …أها تاني في شنو ؟ولكن بمرور الزمن اتخذت الطابع المؤسسي إذ أصبحت لها قوانين وأندية و منافسات على كافة المستويات المحلية الإقليمية والدولية وأصبحت بزنيس عالمي …وجزء لا يتجزأ من مكونات النظام الرأسمالي إذ أن الأموال التي تدور في فلكها لاتقل عن أموال البترول والأسلحة والمخدرات ..وأصبحت كرة القدم تكيّف المواطن على هواها تأخذ أمواله وتأخذ وقته وتصرفه عما ينفعه، لم تعد لعبة ترفيهية بريئة …فانظر يا هداك الله إلى تشفير القنوات التي تنقل المباريات فهذه جعلت أي مواطن وفي أي مكان في الدنيا ومن داخل بيته يدفع لكي يشاهد المباراة فأي سلب أكبر من هذا؟!.
(2)
لقد أضحت الفيفا (الاتحاد العالمي لكرة القدم ) أغنى مؤسسة دولية … فرئيس الفيفا الذي يجوب الدنيا بطائرة خاصة يحوّل رؤساء الدول الكبرى الذين يودون مقابلته إلى سكرتيرته الخاصة لكي تحدّد لهم المواعيد ومكان اللقاء …كوفي عنان السكرتير العام السابق للأمم المتحدة ..قال إن أسعد إنسان دولي في الدنيا هو رئيس الفيفا وأشقى إنسان هو سكرتير الأمم المتحدة الذي يواجه كل مصائب الدنيا وهو لايملك من المال الذي يقابل به الحد الأدنى مما تتطلّبه كوارث العالم ..هنري كيسنجر أشهر وزير خارجية أمريكي وأحد أكبر الفلاسفة المنظّرين لسيطرة الولايات المتحدة على العالم ..قال إن عدم إهتمام الجمهور الأمريكي بكرة القدم وعزوفه عنها أحدث ثغرة كبيرة في مكانة الولايات المتحدة العالمية ..ولابد من توطين كرة القدم في أمريكا لا بل لابد لأمريكا من أن تتسيدها حتى تكمل سيطرتها على العالم …وقد اتبع كيسنجر القول بالعمل ووضع خطة ممرحلة للوصول للهدف النهائي الذي حدّده ..وبدأت بلفت نظر الجمهور المحلي لكرة القدم باستقدام أسطورة الكرة العالمية بيليه للعب في نادي أمريكي …وبسرعة نافست شخصيته نجوم الألعاب الأخرى من الزنوج الأمريكان …ثم وصل المنتخب الأمريكي نهائيات كأس العالم ..وهاهي أمريكا تنظم نهائي كأس العالم القادم … والذي سوف تربح فيه المليارات الممليرة …إنهم يعملون بتدبير وتخطيط …شغل ممنهج ..
(3)
في ظني إن أكبر عملية تدليس وخداع في مؤسسات كرة القدم ..هي عملية الاستديو التحليلي التي تسبق وتعقب المباريات في المنافسات المختلفة ..حيث تجلس كوكبة من النجوم المعتزلين يتحدثون عن توقّعاتهم لمجريات المباراة وبعد المباراة يتحدثون عما جرى في المباراة ويسمون ذلك التحليل الرياضي ..وفي المباريات الهامة تستمر هذه الاستديوهات التحليلية لساعات طويلة ..يحدث هذا رغم أن زمن المباراة تسعون دقيقة ويكون ذات المتلقّي قد شاهدها كاملة مثلما شاهدها ذات المحلّل …لقد أصبح المشاهد على قناعة بأن المباراة لها كواليس وفيها أشياء غائبة عنه لذلك يتسمر أمام التلفزيون لساعات …وهناك من جعل ريموت تلفزيونه يقف عند القناة الرياضية فقط… وأصبح منصرفاً وجاهلاً بكل ما يدور في العالم إلا عندما ترتفع أسعار السلع فيسأل ما السبب فيقال له إن مضيق هرمز قد أغلق ..كما هذه الاستديوهات أعطت فرصة للذين اعتزلوا كرة القدم كلعبية للاستمرار في فلكها بوظيفة جديدة هذا إذا لم يصبح مدرباً أو إدارياً ….جزء من متعة كرة القدم أن الملايين يشاهدون المباراة العالمية في وقت واحد فأنت تشاهد نهائي كأس العالم في اللحظة التي يشاهدها رئيس الحكومة و الملياردير والفقير البائس ، لكن الآن أصبح هناك أناس يشاهدونها بعيون غير عيونك لذلك لابد من أن تسمع لهم فهل هناك خدعة أكبر من هذه.؟ هذا فيما يتعلّق بالتحليل الرياضي …يا ربي التحليل السياسي كيف ؟!.






