د.عبد اللطيف البوني يكتب: «والقمرا في وسط الأهل»

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

«والقمرا في وسط الأهل»

(1)
☐ بعد حصار تجاوز العامين هجم الدعامة على قريتنا في ١٤ نوفمبر ٢٠٢٤م بمتحرّك كامل قادم من الماليزي …فقتلوا بدم بارد العشرات وتم إخلاء القرية في ظرف ساعتين فقط … فمكثوا فيها حوالى أسبوعين فأخذوا كلما أرادوا أخذه … ثم جاء بعدهم شفشافة محليون فاخذوا ما تبقى من فتاتهم… ولما عدنا من النزوح الذي استمر حوالي شهر في الحواشات والقرى المجاورة وجدنا منازلنا قاعاً صفصفاً…كنا سعداء بأن وجدنا الجدران والأبواب والشبابيك سالمة ..ومع فقد الأنفس لم نشعر بفقد العربات والأثاثات والمحاصيل والأنعام ..كانت مشكلتنا أنه قد بدأت موجة خروج من القرية كبيرة ..كانت أيام من النزيف البشري الحاد … ثم تم تحرير مدني ومن ثم تحرّرت كل الجزيرة ..لم نصدق إننا أصبحنا بدون دعامة فوق رؤوسنا ..وبعدحوالى شهر من التحرير بدأت الناس في العودة …فخرجت للإستشفاء ثم للخارج لأعود يوم الجمعة الماضي …أصدقكم القول لأول مرة أحس بفداحة الشفشفة التي حدثت لنا ..لو حسبت من تاريخ زواجي فقط أجد نفسي قد فقدت عمران استمر لأربعين سنة… ناهيك عن أشياء موروثة أقرب للآثار… منها أثاثات اشتراها الوالد عليه رحمة الله من آخر مفتش انجليزي كان في مكتب اللعوتة …ومنها رخصة قيادة استخرجها الوالد في ١٩٤٥م وهي عبارة عن نقش في قطعة معدنية… ثم تطوّرت إلى دفتر صغير به عدة أوراق باللغة الإنجليزية ..الذي أسعى الي تفسيره هو لماذا عدم الشعور بالفقد ساعة وقوعه ثم الإحساس به الآن …لقد كنا في تلك الأيام (باقي كَتلة) لذلك لم نأبه كثيراً للماديات …هذه الحالة النفسية غير المستقرة وجدتها عند الكثيرين ..اسماها أحدهم (ايام الخدَر) أي أنه كان تحت تأثير البنج ..قال لي آخر إنه كان ينخرِط في البكاء كلما رأى عربة دفار لأن ولده أغتيل من أجل نهب دفاره… لكنه الآن ترك البكاء ولم تفارقه الحسرة … فقلت له مواسياً إن شاء الله الحسرة هي الأخرى ستزول بمرور الزمن… فعالجني بسرعة قائلاً… لا لا …دي حدّها القيامة …يعني والدخلت فينا ما بتمرق تاني …وأذهب إلى أكثر من ذلك وأقول إن ضررنا لن ينجبر ولو أعطينا كنوز الدنيا تعويضاً .. ولكن في النهاية لابد من أن نحتسب ونحاول النسيان وإلا سنظل مشوّهين نفسياً إلى يوم يبعثون…
(2)
اليوم الثاني لوصولي صادف يوم ١٤ هجري… فوجدت نفسي عند منتصف الليل مستلقياً في وسط الحوش الوسيع …ومستقبلاً قمر ١٤ وهو يرسل أشعته الفضية نحوي ….لا أتذكر آخر مرة رأيت فيها قمراً منيراً..فوجدت نفسي مشدوداً نحوه ..تذكرت كلاما قرأته يقول كاتبه إنه يقرأ في كتاب مدهش باللغة الإنجليزية يقول فيه مؤلفه بأهمية عمل اللاشي (The Importance of Doing Nothing ) فالعقل يحتاج إلى إجازة… ولا بد من إفراغه بالتأمل …وفهمت أن التأمل يعني عدم التفكير بل التركيز فيما تراه. ولعل هذا ما حدث لي ساعتها… إذ جاءني إحساس بأن هذا القمر يقابلني وحدي ..رأيت أشكالاً تشبه القصور … ثم صوراً لقوم محتشدين … ثم قوافل من النياق … فتذكّرت قول الكابلي (تسامر في الغيوم أشكال روائع تذهل المثال ) فأنت تتأمل الغيوم .. تشاهد فيها ما لم يخطر على بالك من أشكال.. مع أن المنظر واحد والمتغيّر هو مافي ذهنك …لقد منحنى القمر لحظات استرخاء لا أتذكر إني عشتها من قبل… فطردت أي خاطرة تحملني للمدينة وللمطارات وزحمة الحياة التي كنت منغمساً فيها … فحمدت الله وشكرته لما منحنى من نعمة ….وما كان ذلك ليتم لولا أنني كنت في داري وفي مسكني …فايقنت أن عمق الارتباط بالدار لا ياتي من فراغ … وأن دارك يمكن أن تمنحك كل مقوّمات السعادة …ومن دارك يمكن أن تنفذ إلى السماء …فما أحلى الرجوع إليها… وما أحلى البقاء بها… وما أوجب من الاستماتة في الدفاع عنها .
(3)
معظم الأهل لم يخرجوا من ديارهم بعد النكبة …ولم يبدّدوا ما حل بهم بالأسفار… ولكن رغم ذلك تعافوا بسرعة واستأنفوا حياتهم الطبيعية … ولكن لحظت أن أحداث النكبة ما زالت تسيطر على مجالسهم ….ولكن حولوها إلى دراما … ولعل ذلك هو سبب تخفيف وقعها فتسمع أحدهم يقول للآخر تتذكر يافلان يوم الدعامي لاقانا ونحن جايين من السوق… ورفع الكلاش وقال طلعوا العندكم …إنت قعدت ترتجف زي القصبة ؟ فيرد عليه الآخر لا عاجبني إنت القلت ليهو أبيت …ثم يذكرون ما حدث لآخر من خلع ملابس ..وتجد في مجلس آخر يعدّدون في الخسائر التي لحقت بفلان ثم يقارنونه بآخر لمعرفة من كانت خسارته أكبر … وكل يتطوّع بمعلومة ما كانت لدى الآخرين … لقد بدا لي أن (درمنة) الماسي لو جاز التعبير.. أي تحويل تلك الفظائع إلى دراما وونسة هو الذي خفّف من أثرها النفسي ..ولكن تأكد لي أنها لن تنسى أبداً وسيظل هذا الجيل الذي عاشها يهاتي بها إلى أن يفنى …الحديث عن الذين استشهدوا ما عاد كثيراً إذ تصعب درمنته ولكن الإحساس الطاغي إن الموت هو سبيل الأولين والآخرين وأن الفرق بين المتوفي والحي مسألة زمن.. فهو حتماً لاحق به ثم إن كثرة الموت الذي أعقب النكبة أعطته المزيد من التطبيع …لا أدري هل هذه واقعية في التعامل مع الموت أم أن القلوب قست …الشي المؤكد أن الأشياء ما عادت هي الأشياء ..ولعله من المبكّر الإحاطة بكل آثار النكبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top