اندياح
داليا الياس
«خلوها» !
*ندبج بها كروت الأفراح ورقاع الدعوة…. ونتداولها كتعريف إجتماعي قديم…. فلانة (كريمة) فلان…. أي إبنته….بعضه يمشي على الأرض…. إمتداده الإنساني….ودرجت المفاهيم لدينا من واقع التجارب على أن كل فتاة بأبيها معجبة…وأن البنت أكثر قُرباً من والدها وأشد حنواً عليه….وأن علاقةً روحيةً خاصة تربط بين الإثنين …قوامها إحساسها المطلق بالأمان…وإحساسه الغامر بالعطف والمسؤولية..
والمتأمل في تفاصيل أي علاقة سوية بين أب وأبنته سواءًا نمت تلك العلاقة في ظروف طبيعية أو تعرّضت لإنحراف ما عن مسارها -بسبب أقدار وعوامل خارجية لا يجب أن يكون لها أدنى تاثير على الأبعاد العاطفية والإنسانية للعلاقة – يرى أن لزاماً على هذا الأب باعتباره العائل والقوام والصدر الحنون والعقل الحكيم أن يحرص بالغ الحرص على أن تظل إبنته كريمة معنى ومبنى….وتلك الكرامة لا تتبدى بالضرورة في حمايتها من المخاطر أو توفير مستلزماتها وحاجاتها أو تزويجها بفخامة أو التصدّي لزوجها حالما أساء لها أو…أو فحسب.
ولكنها تبدأ بحمايتها من التقاليد الإجتماعية العقيمة…والممارسات الضارة…. والآلام المهلكة…. والتشويه الجائر…. والتعدّي السافر على إنسانيتها وإحساسها….والنيل من أنوثتها وتمام خلقها…تبدأ بأن ( يخليها) بتمام خلقها الإنساني .
كل هذا ببساطة يتمثل فى (محاربة ختان الإناث) وتداعياته ومايترتّب عليه.
وأحسب أن (مركز دراسات المرأة) بالتعاون مع اليونسيف قد قدما لنا من قبل نموذجاً رائعاً فى المثابرة وتوظيف كافة الأدوات فى سبيل إنفاذ أهدافهم لا سيّما الحملة الإعلامية الأنيقة والمؤثرة التي يبتكر أفكارها الحميمة لإيصال رسالته النبيله المختزلة في عبارة صغيرة:(خلوها)….هكذا ببساطة….ولكم أن تتأمّلوا ما وراء العبارة.
لقد آثرت اليوم أن أوجّه خطابي للآباء…ربما لخصوصية العلاقة بين كل أب وبنته بحسب رأيي الشخصي…ولأن الأمهات للأسف قابلات للتأثير أو الرضوخ لضغوطات الأجيال السابقة لا سيما (الحبوبات) ولو على مضض… رغم أن أي سيدة حالما تأمّلت واقعها الأنثوي وإستعرضت رحلتها المؤلمة مع الختان ستجد نفسها مصرة على التصدّي له ومحاربته بمختلف الأساليب….ولكن الإعتقادات المغلوطة والغريبة التي إكتسبناها من بيئتنا التربوية السالبة تتسبّب لنا في صراع داخلي محموم….وأحسب أن جميع الرجال بيدهم الحلول الناجعة لتلك المشكلة…كيف لا ونساء مجتمعاتنا يعتقدن جازمات بأن الختان يحمي من العار…ويرضى الأزواج… ويحقق للبنت هدفاً نبيلاً عبر إمتاع الزوج ونيل إستحسانه بغض النظر عما تشعر به أو يترسّب لديها تجاهه وتجاه علاقتها به!!.
*آثرت الا أتحدث بلغة الوقائع والإحصاءات المخيفة التى طالعتها من قبل عبر المجلس القومي لرعاية الأمومة والطفولة….واكتفيت من كل الأرقام المخيفة بتلك الإشارة الإيجابية التي تقول أن معدّلات الختان في السودان متراجعة…وأن الوعي بمخاطره وضرورة محاربته في تزايد مطرد….سوى أنني أرجع البصر كرتين لأخرج بالأمر الى الأصقاع النائية بعيداً عن العاصمة….حيث التردّي المريع فى الصحة والتعليم والوعي….إذ لا يمكنني أن أبتهج فقط لأن نساء مجتمع الخرطوم كانن قد قررن يوماً التوقف والإقلاع عن ختان بناتهن…أو أن رجال العاصمة قرروا التصدي لتلك العادة الضارة وإستخدام سلطاتهم الزوجية و(الوالدية) والذكورية من أجل توفير الكرامة لبناتهن وأخواتهن وحتى زوجاتهن بما يقيهن شر آلام الطمث والأزمات النفسية ومعاناة الزواج والحرمان من المتعة الفطرية ثم مكابدة المخاض إحتمالات فقدان حياتهن أثناءه!!!.
ومما شجعني للخوض فى أمر ختان البنات الذي قتله الإعلام تداولاً أن المبادرة هذه المرة تجئ من (مركز دراسات المرأة) باهتمام وإحترافية وجدية وشكل مختلف وعميق وجرئ وشفاف.
وقد طالعت الأوراق والدراسات التي قدمتها أسماء باذخة في الشأن الإنساني والفقهي والإجتماعي والإعلامي بتجرّد ومهنية وحماس وإيمان مطلق بضرورة القضاء التام على هذه العادة الذميمة.
إن الأمر يستحق تضافر الجهود والمزيد من الإلتفات لتلك القضية التي لا يمكن إعتبارها على الإطلاق هامشية….وكلنا يجب أن نجنّد أنفسنا للإنخراط في حملات التوعية بغض النظر عن الجهود الحكومية والدولية وحتى الخاصة المبذولة لذلك….إن (كرامتنا) لا تنفصل عن (سلامتنا)… والإثنان يحققان لنا تمام (عافيتنا) و(إنسانيتنا).
*تلويح:
أنا داليا الياس…أعاهد مركز دراسات المرأة المعني بتوفير حياة كريمة للنساء بأن (أخلي) بناتي كما هن وأحفظ كرامتهن وصحتهن وإنسانيتهن وإحساسهن.






