د.عبد اللطيف البوني يكتب: لدغة الثعبان و السودان الرابع

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

لدغة الثعبان و السودان الرابع

(1)
عشت أهوال هذه الحرب منذ يومها الأول إلى أن تم تحرير كل الجزيرة… وبعد حوالي شهر من ذلك التحرير خرجت مستشفياً. وكنت أظن أنها أيام أو أسابيع وبعدها سأعود …إلا أن أفراد الأسرة الصغيرة استدرجوني بعمرة في الأراضي المقدّسة… ثم زيارة لمصر… لأعود بعد خمسة عشر شهراً..فالحكاية كما يقولون (جرّت) بتشديد الراء ..والله وحده يشهد أنني لم أكن راغباً في السفر.. ولا في الغربة ولكن قدر الله وما شاء فعل …والآن أشعر بأنني قد تسرّعت في الخروج … وكان ينبغي أن أكون وسط الأهل وأعيش معهم لحظات المخاض في الخروج من أيام الكتمة إلى أيام التنفّس …ولا أشك في أنها كانت أياماً ملحمية لم تستطع الاتصالات اليومية والقروبات والفيديوهات أن تنقلها لنا… بدليل إنني فوجئت بالحالة التي وجدت فيها الأهل …نعم كنت أحس بالتعافي ولكن ما كنت أظن انه وصل إلى هذه الدرجة إن شاء الله في مقال قادم سوف أعدّد لكم مظاهر هذا التعافي ..ثلاث لابد من إبرازها في هذا الشأن… الأول أن القيادات المجتمعية الشابة التي ظهرت أثناء الحرب هي التي قادت الأمور بعد الحرب… والثاني إن العطاء الباذخ و الثر من المغتربين ومن المحسنين المحليين استمر على ماهو عليه أثناء الحرب… وإن تحوّلت العطايا من بند الأكل و الضروريات الأولية و المعالجات الفردية ..إلى تعمير المنشآت العامة من آبار ومدارس ومستشفيات وكهرباء… إن أكبر مساعدة يمكن أن تقدّمها للفقراء هي أن توفّر لهم الماء والعلاج والتعليم … أما الثالث هو أن البذل والعطاء تعدّى الأثرياء القادرين والمغتربين إلى الناس العاديين الذين انكروا ذواتهم (واقتسموا النبقة) مع الفقراء من أمثالهم…وهناك قصص وقصص يمكن أن تحكى في هذا الشأن ..أنا هنا أتكلم عن المجتمع لا أتكلم عن الدولة ….الدولة لم تكتف بالعجز …بل إن دورها كان سالباً في الكثير من المناحي… اللهم إلا توفير الأمن ولو كانت ما تجبيه من المواطن يذهب للأمن فقط أكانت (البطن باردة) ولكن واه من لكن هذه.
(2)
ما ذكرناه أعلاه لاينفي إطلاقاً إن الآثار السالبة لا بل والمدمّرة للحرب في المجتمعات التي تحدثنا عنها قد انتهت أو ستنتهي قريبا …هذه الآثار السالبة سوف تلازم جيل النكبة كله إلى أن يلاقوا ربهم …و سوف تمتد لمن يأتي بعدهم وسمع منهم …ولو تمّت كتابة تاريخ النكبة بصورة موضوعية ستظل آثارها موجودة إلى أن يرث الله الأرض ومن وما عليها .
في غمرة سعادتي بحلاوة اللقيا بالأصدقاء والأهل إلا أن هناك من قال لي (يازول الجابك راجع شنو.. البلد لسه بدري عليها ).ولدنا عوض احمد قال إنه ذهب لمعاينة عمارته في جبرة ..ثم شرع في شراء المواد اللازمة لترميمها ولكن بمجرّد أن شاهد الفيديو المنسوب لجنود النور القبة في أم درمان ..أوقف هذا المشروع ….فما بالك الآن بعد المسيّرات المنهمرة على البلاد .؟ وبعد ظهور أبي أحمد شخصياً على شاشة العدوان على السودان ؟ …. سيدة كانت لديها من الأواني المنزلية ما تقيم به مناسبة زواج بناتها وأولادها بدون الحاجة لكباية من الخارج… الآن أقسمت بأن تبيع كل( الفضيات) الفارغة وألا يبقى في مطبخها إلا سعة كرتونة واحدة من الأواني المنزلية …أحد الذين يتاجرون في المحاصيل عن طريق التخزين …أي يشتري عند موسم الحصاد ويخزن ولا يبيع الا قبيل الحصاد القادم أي عند (مفرق الحبتين) هذا الرجل بعد الشفشفة التي حدثت لمخازنه أقسم ألا يخزّن ولا قوت عامه بل يشتري الكيلة ورا الكيلة .. قال أحدهم والله كلما أشوف لي زول جايي من الجهات التي أتى منها الدعامة بجيني إحساس الزول دا لو ما هجمت عليه بهجم علي …لقد أصبح الكل ينطبق عليه المثل من لدغه الثعبان بيخاف من مجر الحبل ..
(3)
الحرب الجارية الآن وإن شئت قل العدوان الواقع على السودان رغم أثاره الكارثيه …والذي نتمنى أن ينتهي اليوم قبل الغد …لابد من التعامل معه بعقلانية …فالحروب في العالم ما تديك الدرب ..لابل وفي ذات السودان كانت في أطرافه منذ فجر استقلاله ..كانت في الجنوب ثم في دارفور لعل هذه أول مرة تحدث في قلبه ورأسه لذلك يجب أن نسعى جميعاً ألا تكون هي نهاية له …إن التطرق لمأسيها وجراحاتها يجب أن يكون بهدف السعي لانهائها وليس لتاجيجها …إن المكون الخارجي في العدوان هو الأكبر وأما المكون المحلي فهو وظيفي أكثر من أنه أصيل …لذلك تكون المسؤلية فردية أكثر من أنها جماعية في شكل قبيلة أو جهة أو عنصر ..لابد من ضبط الخطاب ونحن نتحدّث عن هذه الحرب ..والحديث عنها يصبح فرض عين طالما أنها سارية إذ يستحيل تجاوزها إلى غيرها من المواضيع …يجب أن يستصحب هذا الحديث الهدف على إنهائها بأقل قدر من الخسائر …يجب أن يعود بعدها السودان أكثر قوة وأكثر منعة لتمضي مسيرة الحياة فيه …هذه وقفة لابد منها ونحن نكتب عن هذه الحرب التي ستفضي إلى سودان رابع جديد باعتبار أن السودان الثالث كان بعد غزوة كتشنر ١٨٩٨م والثاني بعد دخول المهدي الخرطوم في ١٨٨١ والأول كان بعد غرو محمد علي باشا ١٨٢١مة كما ذكرنا في مقال سابق ..ونواصل إن شاء الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top