حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
كيف وجدتك والآخرين ؟
( 1 )
القرية بكل تفاصيلها ناسها .مبانيها .شوارعها …أزقتها… انعامها…سوقها …كناتينها…أفراحها …أتراحها …كل شئ فيها …كان يمور في الدواخل ..كان يرقد في الحنايا ..كان يشجيك ..كان يبيكك…كان يطرد النوم من عينيك …أما اليوم وأنت فيها …تخرج كل التفاصيل من جواك …وتضعها أمام ناظريك ..فتتنفّس الصعداء و(يهدأ نفسك القائم) وتغزوك الراحة ..وحواسك الخمسة التي كانت زاهدة في الحركة… تسري الحيوية فيها …فتسالم هذا وتعانق ذاك ..وتبكي مع هذه…وتضحك مع طفل ..تتجوّل في الطرقات …تمرق من زقاق لتدخل في آخر …تزور من ترى أنه يستحق الزيارة ويزورك من لم تزره …هذا يعاتب وذاك يثني ..تعزي في من رحلوا ..تواسي من مرضوا ..تسلّي من نُكبوا…تهنئ من فرِحوا … تعتذر لمن قصرت في حقهم …ثم تغني مع إسماعيل حسن….
والله يا طير الرهو
ما كت مصدق اني بلقاك يا رهو
واشكو ليك من جور زماني
كيف رماني
وشوف براك شوف الزمن
كيفن بسو
(2)
الشعور بالأمن نعمة ما بعدها نعمة لا يدركها إلا من فقدها …أكبر وأهم وظيفة للدولة هي توفير آليات الأمن أي المؤسسات التي تحفظ الحقوق من شرطة ونيابة وقضاء ولكن الأهم هو الإحساس الذي يصاحبك في حلّك وترحالك.. فالمؤسسات ثابتة لا تتحرك معك …أديكم مثال عملي ،العامان اللذان عشناهما تحت سيطرة الدعامة كانا زيرو أمن …إذا ذهبت للحواشة قد لاتعود منها سالماً …ناهيك إذا ذهبت في سفرية …إذا دخلت المسجد ..قد يهجموا عليك …وأنت في منزلك أحياناً تحتاج إلى أن تكون كاتم نفسك حتى لايسمعوك …قال لي صديقي البروفسور عبد الحى المدينة من أبناء المسيد .. أنه أصيب بالتهاب حاد ..وأكثر ما كان يؤلمه أثناء المرض أنه عندما يكح يجب أن يكمكم نفسه بملاءة أو حتى مخدة حتى لا يصدر منه صوت فيسمعه (الجماعة) المتحاومين في الخارج ..وإذا أغفل عن وضع تلك (السدادة) هناك من سيسرع الي فعلها له مع صوت خفيض غاضب (ياخي مالك علينا داير تكتلنا)….
لذلك وجدت الناس اليوم سعداء سعادة ما بعدها بنعمة الأمن … سعادة لا يدركها إلا من فقد نعمة الأمن في يوم من الأيام …قال لي أحدهم هذه الأيام حتى الجنايات الصغيرة مثل السطو على الدكاكين ليلاً ..وسرقة العتان..جمع عتود… والنشل في الأسواق قد اختفت…وكذا ناس زعيط ومعيط ونطاط الحيط .. ..ولكن من جانب آخر يوجد غلاء طاحن …غلاء لا قبل للناس به …اشتريت بعض الأغراض من سوق المسيد يوم الأربعاء السادس من مايو بمبلغ ثلاثة وثلاثين الف جنيه ..نفس هذه الأشياء كنت قد اشتريتها في آخر سوق قبل الحرب بخمسة الف جنيه فقط .. علما بأنها كلها منتجات محلية …نعم هناك ارتفاع في أسعار النقل لارتفاع أسعار النفط ولكن مهما حسبتها فهي تشكّل نسبة صغيرة ..هناك صفافير الطريق …هناك جبايات ..هناك انفلات وفوضى في الأسعار …الخلاصة هنا… هناك غياب للدولة تام ..
هذا الأمن الذي تنعم به المنطقة الآن ..للدولة دور كبير في تثبيت مؤسساته وآلياته … الشرطة منتشرة والنيابة شغالة والمحكمة شغالة… لكن هذا الغلاء الطاحن مهدد كبير للأمن هذا الغلاء يرجع للفساد الإداري…يرجع لغياب الدولة ليس غيابها من السوق إنما من مكان اتخاذ القرار … فإن كان الدعامة قضوا على الأمن بالكلاش والدوشكا فإن الغلاء سينخر كالسوس في الأمن وفي النهاية النتيجة واحدة ..فمن يخبر من ؟ .
(3)
نعم البلاد في حالة حرب … ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة ..ولكن يجب أن تكون حرباً شاملة …حرب على المتمرّدين وحرب على المفسدين …فإن كان الأوائل ظاهرين بدكدمولاتهم .. فالآخرين أيضا ظاهرين ومعروفين …انهم المتلاعبين بعطاءت النفط ..المهرّبين للذهب …المجنبين للايرادات ..والذين يصدرون الأوامر بالجبايات ..وإلا فإن هذه الحرب لن تنتهي وأنا ما بفسر وانت …






