د.عبد اللطيف البوني يكتب: «من يوحنا الي آبي أحمد »

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

«من يوحنا الي آبي أحمد »

(1)
في نهايات القرن التاسع عشر وبعد أن اتخذت أوروبا قرارها في مؤتمر برلين ١٨٨٤/١٨٨٥ بتقسيم قارة أفريقيا على دولها… وذلك فيما اصطلح عليه بالسباق نحو أفريقيا … كتب يوحنا ملك الحبشة خطاباً للخليفة عبد الله الذي كان يحكم دولة المهدية في السودان عبر القائد حمدان ابوعنجة الذي كان يقود الجيش المهدوي لغزو الحبشة ..كتب قائلاً له ان أوروبا تستعد لغزونا نحن وأنتم وعلينا أن نستعد لمقاومة العدوان الأوروبي … بدلاً من الاستعداد لمحاربة بعضنا البعض …وكان يوحنا قد افتتح خطابه لأبي عنجة بعبارة دجاج أبو عنجة …ودجاج كلمة تبجيل عند الأحباش… فرد عليه أبو عنجة انا لست بدجاج إنما انت دجاج لكفرك ..لم تتفهم الدولة المهدوية ما كان يدعو اليه الملك يوحنا لأنها كانت تجهل كل ما يجري في العالم حولها … وهذه قصة أخرى …فحدث ما حدث…
(2)
اها اليوم العلينا دا القرن الافريقي الذي يتوسّط العالمين العربي و الافريقي يتعرّض لعلمية تشطير كبرى وإن شئت قل إعادة لرسم خرطه ..فمنذ مؤتمر القمة الافريقي الذي انعقد في أديس اببا ١٩٦٣.. والذي تقرّر فيه الابقاء على الحدود بين الدول الافريقية على الحالة التي تركها عليها المستعمر حتى لا تتفاقم مشاكل القارة ..منذ ذلك التاريخ لم تخرج الدول الأفريقية عن النص ..أي التزمت به طوعا أو كرهاً الا دول القرن الافريقي… فاثيوبيا خرجت منها دولة ارتيريا ١٩٩٣م.. والسودان خرجت منه دولة جنوب السودان ٢٠١١… أما الصومال فحدث ولاحرج … هناك دولة أرض الصومال وبلاد بنت والصومال القديم ..وصوماليوا الأوغادين …
الآن يتنافس على المنطقة معسكران …هما معسكر التفتيت أي الذي يعمل جاهداً على إعادة رسم خرائط المنطقة…و المعسكر الاخر الذي يدعو إلى الابقاء على الحدود على ماهي عليه… أي الاعتراف بسيادة الدول القائمة على أراضيها ومؤسساتها …إثيوبيا انحازت الي معسكر التفتيت وإعادة التخريط …بزعم أنها تريد موقعاً على البحر الأحمر لأنه لا يليق بها كدولة أفريقية كبرى أن تظل دولة حبيسة ..إثيوبيا بعد اكتمال سد النهضة وبغفلة من مصر والسودان أصبحت المسيطر على المياه العذبة في المنطقة … وهي الآن تنقصها المياه المالحة أي الموانئ البحرية … ولكن إثيوبيا تعلم جيدا أنه إذا تمّت إعادة تخريط المنطقة فهي لن تسلم منها … لأن تقطيع المنطقة هدف استراتيجي بالنسبة للقوى التي تعمل جاهدة عليه … فاثيوبيا قد تساعد فيه اليوم وستكون ضحيته غداً…إثيوبيا لاتحتاج إلى السودان أو غيره ليقوم لها بدور الملك يوحنا تجاه الخليفة عبد الله في نهايات القرن التاسع عشر..
(3)
الحكومة الإثيوبية القائمة الآن استغلت حرب السودان الحالية استغلال بشع إذ زادتها ضراوة …وستحاول ربط أجندتها في السودان بأجندة الطامعين في تمزيق السودان .. .. ولكن الشعب الإثيوبي عامة النخبة خاصة … تعلم جيداً أن السودان هو الثور الأبيض الذي سيمهّد الطريق لذبح الثور الأسود الذي هو إثيوبيا ..وهنا يظهر التردّد في سياسات آبي أحمد فهو من المبادرين لتشجيع حرب السودان والاعتراف بحميدتي …ثم هو أول من بادر بالتوسط بين الإمارات والسودان في زيارته لبورتسودان…ثم سمح بفتح جبهة النيل الأزرق في حرب السودان .. . .ثم رفض مقابلة البرهان فيما بعد على حسب رواية هدسون .. وأخيراً قابل مالك عقار في جيبوتي ..
(4)
المخرج الوحيد للقرن الافريقي عامة وللبلدين خاصة أن يجلسا إلى بعض ..في خطوة تمهد لجلوس مصر معهما …لبحث مسالة المياه العذبة المشتركة بين الثلاثة دول… ثم في خطوة لاحقة تنضم اليهم ارتيريا لبحث مسالة المياه المالحة بينهم …وسيكون جميلاً لو التقت الدول الأربعة من البداية ووضعت مياه البحر ومياه النهر على الطاولة ليشرب الجميع ويسبح الجميع ..ولكن هذا يتطلب أن تحل روح يوحنا ملك الحبوش في آبي أحمد رئيس وزراء إثيوبيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top