رحمة عبدالمنعم يكتب: عبد الوهاب هلاوي.. « ياسلام عليك .. ياسلام»

للحقيقة لسان

رحمة عبدالمنعم

عبد الوهاب هلاوي.. « ياسلام عليك .. ياسلام»

بعض الشعراء يكتبون الأغنية، وآخرون يكتبون الطريقة التي يحب بها الناس، أما عبد الوهاب بابكر هلاوي فقد كتب الوجدان السوداني نفسه، وتركه معلقاً بين الموسيقى والحنين، ورهافة الكلمة ودفء الإحساس.
من مدينة كسلا، تلك المدينة التي تشبه قصيدة مفتوحة على الجمال، خرج هلاوي حاملاً حساسية شعرية نادرة، وعبارة أنيقة، وروحاً شفافة جعلته واحداً من أكثر شعراء الأغنية السودانية قدرة على ملامسة القلب دون ضجيج، فالرجل لا يكتب الكلمات بقدر ما يهمس بها، لذلك تبدو قصائده وكأنها جزء من ذاكرة شخصية لكل سوداني غشاه الحب ، أو انتظر، أو خذلته المسافات.وحين كتب:
لو مني مستني الملام
يا سلام عليك يا سلام
يا حلو السكوت مرات كلام
وعدم الكلام هو كمان ملام
كان هلاوي يلتقط تلك المنطقة الغامضة بين الصمت والبوح، حيث تقيم العاطفة السودانية بكل حيائها وعذوبتها، وهي ذات الرهافة التي جعلت أغنيات مثل:«قلبي ما بيعرف يعادي..اصلو ما بقدر يعادي..مهما يبدا القسوه قلبك ..تلقا بي الحنيه بادي..اصلو مابعرف يعادي» تتحول إلى حالة وجدانية كاملة، لا مجرد نص غنائي ردده الفنان الراحل عبد العظيم حركة بصوته الدافئ.
لم يكن هلاوي شاعراً عابراً في ساحة الغناء، بل أحد الذين أسهموا في تشكيل الذوق العاطفي السوداني على مدى عقود، كتب أكثر من مئة وستين أغنية، تغنى بها عشرات الفنانين، لكنه ظل محتفظاً بصوته الخاص؛ ذلك الصوت الذي يكتب الحب بخفة، والوجع بكرامة، والوطن بحنين موجع.
في تجربته الفنية تتجاور الرومانسية مع الإنسانية، لذلك أحب الفنانون التعامل معه، من عبد الكريم الكابلي الذي قدم رائعته «أغلى من نفسي»، إلى زيدان إبراهيم الذي تغنى بـ«لو تعرف اللهفة» و«عشان خاطر عيون حلوين»، وصولاً إلى مصطفى سيد أحمد الذي منح قصيدة «لو مني مستني الملام» حياة أخرى بصوته الشجي.
ولعل من أجمل ما قدمه هلاوي للأغنية السودانية قصيدته الخالدة «حاجة آمنة» التي تغنت بها عقد الجلاد، ولا تزال تتردد على ألسنة الأجيال جيلاً بعد جيل. لم تكن الأغنية مجرد نص غنائي، بل وثيقة إنسانية نابضة بحياة النساء السودانيات المكافحات، والأمهات اللاتي يحملن أعباء الحياة بصبرٍ يفوق الوصف.يقول فيها:
“حاجة آمنة اتصبري..عارف الوجع في الجوف شديد..عارفك كمان ما بتقدري..اتصبري… اتصبري”
ثم يمضي النص عميقاً في تصوير قسوة الواقع اليومي، حتى تصبح «حاجة آمنة» رمزاً لكل أم سودانية واجهت الفقر والحرمان وقسوة الحياة بكرامة وصبر،وقد أثبت هلاوي من خلال هذه القصيدة أنه لا يكتب للحب وحده، بل يكتب للناس البسطاء، ولوجعهم الصامت، ولأحلامهم المؤجلة.
أما تجربته مع أبو عركي البخيت فكانت أقرب إلى صداقة روحين تؤمنان بأن الفن موقف أخلاقي وإنساني قبل أن يكون مجرد غناء، وقد كشف هلاوي عن عمق هذه العلاقة حين تحدث عن عركي بوصفه فناناً «مصاباً بداء الوطن»، وهي عبارة تختصر سيرة كاملة من الانحياز للسودان والناس والجمال، وكانت هذه العلاقة تتسع كذلك لتضم المخرج المبدع شكر الله خلف الله، حيث جمعت الثلاثة صداقة نبيلة قامت على المحبة الصادقة والاحترام المتبادل والإيمان بقيمة الفن في بناء الوعي والجمال، فشكلوا نموذجاً لعلاقات ثقافية وإنسانية نادرة .
ولأن هلاوي ابن بيئة عاشقة للتفاصيل، جاءت مفرداته مشبعة بالحياة السودانية اليومية؛ بالشاي، والسكوت، واللهفة، ودفء العلاقات الإنسانية البسيطة،لذلك لم يشعر المستمع يوماً أن قصائده بعيدة عنه، بل كانت تشبهه وتشبه تفاصيل حياته الصغيرة المليئة بالحنين.
ولم يتوقف عطاؤه عند الأغنية العاطفية، بل كتب للوطن، وللطفولة، وللناس البسطاء، وظل منحازاً للجمال حتى في أحلك اللحظات. ومع الحرب التي مزقت السودان، عبّر هلاوي عن وجع النزوح واللجوء بكلمات موجعة اختزلت حنين السودانيين جميعاً:
“لو ما الظروف القاهرة..شقة شنو الفي القاهرة تصبح سكن..وتكون بديلك يا وطن”..
في هذه الكلمات لا يتحدث شاعر عن مدينة أو منفى، بل يتحدث إنسان اقتلعته الحرب من ذاكرته الأولى، لكنه ظل ممسكاً بخيط الحنين إلى السودان، كأن الوطن عنده ليس جغرافيا فحسب، بل روح لا تُستبدل، وذاكرة لا تغادر القلب مهما ابتعدت المسافات.
لقد ظل عبد الوهاب بابكر هلاوي وفياً للكلمة الجميلة، منحازاً للإنسان، وعاشقاً لتراب بلاده،لذلك بقي قريباً من القلوب مهما تبدلت الأجيال، فهو من الشعراء الذين لا يُقاس حضورهم بعدد الأغنيات التي كتبوها، بل بقدرتهم على أن يجعلوا الحياة أكثر رقة، وأن يمنحوا الناس لغة يقولون بها ما يعجز القلب أحياناً عن البوح به، إنه شاعر لم يكتب الأغنية السودانية فحسب، بل كتب شيئاً أعمق وأبقى،كتب ملامح الروح السودانية نفسها، بكل ما فيها من حب ووفاء وحنين وصبر لا ينفد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top