يتجاوز البروتوكول ويلتحم مع الجماهير
البرهان..رهان الميدان
تحرّكات مستمرة بين الأسواق والملاعب والأحياء..تحدّي
خروج عفوي وحشود تحتفي بالقائد .. التفاف
مراقبون: الرئيس أكد الثقة في وعزّز الارتباط الشعبي
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
انتظمت في العاصمة الخرطوم خلال الأيام الماضية مشاهد مُغايرة رسمها رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، عبر تحركات ميدانية اتسمت بالعفوية والاحتكاك والتلاحم المباشر بالمواطنين، متنقلاً بين الأسواق والملاعب والشارع العام، في مشهد بدا متجاوزاً للحواجز التقليدية والبروتكولات الصارمة التي تحيط عادة برؤساء الدول وقادة الجيوش في ظروف مشابهة، ولا يمكن قراءة هذه التحركات بوصفها فقط زيارات ميدانية اعتيادية، وإنما باعتبارها رسائل سياسية وأمنية واجتماعية متعددة الاتجاهات، حملت في طياتها دلالات تتصل بطبيعة المرحلة التي يمر بها السودان وإعادة بناء الثقة العامة واستعادة الإحساس بالحياة الطبيعية داخل العاصمة التي عاشت واحدة من أعنف فصول الحرب.
فضاءات مفتوحة
وأحدث تحركات البرهان جاءت وسط المواطنين مباشرة؛ بين الأسواق الشعبية ومناشط الرياضة والتراث، مبتعداً عن المشهد التقليدي للاجتماعات والقاعات الرسمية، فالجنرال الذي يقود المعركة العسكرية للدولة ظهر هذه المرة في فضاءات مدنية مفتوحة، متجولاً وسط الناس، مصافحاً الجماهير، ومتفاعلاً مع أنشطتهم اليومية، ويكتسب هذا المشهد أهمية مضاعفة بالنظر إلى أن الخرطوم لا تزال تعيش تداعيات الحرب، مع استمرار المخاطر الأمنية والاستهداف المتكرر للعاصمة عبر الطائرات المسيّرة، ما جعل خروج قائد الدولة بهذه الصورة محل قراءة واسعة، باعتباره مؤشراً على رسائل تتعلق بالثقة الميدانية ومحاولة كسر حالة الخوف وإعادة الحياة إلى المجال العام.
في قلب المصارعة
ولعل واحدة من أكثر الصور تداولاً خلال الأيام الماضية كانت ظهور البرهان داخل ملعب المصارعة بمنطقة الحاج يوسف وهو يتابع جانباً من منافسات المصارعة الحرة، إحدى الألعاب الشعبية والتراثية التي تحظى بحضور جماهيري واسع في منطقة شرق النيل، بيد أن المشهد الذي خطف الأضواء لم يكن داخل الحلبة نفسها، بل لحظة التقاط البرهان لأحد الأطفال المشاركين في المصارعة ورفعه لثوانٍ فوق مستوى الرأس، بينما كان الطفل معلقاً بساقيه في الهواء، وسط تفاعل جماهيري واسع وهتافات ملأت جنبات الملعب الذي ضاقت مدرجاته بالحضور، وسرعان ما تحولت اللقطة إلى {ترند} على منصات التواصل الاجتماعي، حيث أعاد ناشطون تداولها بكثافة، واعتبرها كثيرون مشهداً إنسانياً وعفوياً كسر الصورة الرسمية الجامدة المرتبطة عادة بالقادة السياسيين والعسكريين، ورأى متابعون أن اختيار المصارعة الشعبية تحديداً يحمل دلالة إضافية، إذ يرتبط هذا المنشط بالوجدان الشعبي السوداني وبالهوية الثقافية للمجتمعات المحلية، ما منح المشهد بعداً رمزياً يتجاوز تفاصيل الحضور الرياضي.
الحاج يوسف والتحوُّل
ولعل المشهد الأكثر كثافة، حظي به شارع الوحدة بالحاج يوسف، حيث خرجت أعداد كبيرة من المواطنين بصورة عفوية لاستقبال البرهان، في منطقة عاشت واحدة من أصعب فترات الحرب، وكانت خلال مراحل سابقة مسرحاً لتحركات وانتشار ميليشيا الدعم السريع ومتعاونيها من المرجفين في المدينة، وخرج البرهان بكامل جسده من سيارته الرئاسية ووقف على بابها ملوِّحاً بقبضة يده للحشود التي حاصرت المركبة وأحاطت بالمكان وهي تهلِّل وتكبِّر وتهتف بالشعار الخالد: {جيشٌ واحد.. شعبٌ واحد}، ويرى مراقبون أن ظهور قائد الجيش وسط هذه الكثافة الجماهيرية في منطقة ارتبطت سابقاً بأحداث الحرب، يمثل إعلاناً عملياً لتحول المشهد الميداني واستعادة الدولة لمساحات كانت تمثل بؤراً ساخنة خلال المواجهات، كما أن التفاعل العفوي عكس رغبة شعبية في استعادة الفضاء العام وعودة الحياة الطبيعية بعد فترة طويلة من الخوف والاضطراب.
حركة ميدانية لا تهدأ
ولم تتوقف تحركات البرهان الأخيرة عند الحاج يوسف فقط، إذ شهد الأسبوع الماضي سلسلة مشاهد مشابهة بدأت بتفقد البرهان لسوق أم درمان، حيث تجوَّل وسط المواطنين والتجار، في رسالة بدت مرتبطة بمتابعة عودة النشاط الاقتصادي والحركة التجارية، وكان البرهان قد استبق هذه التحركات، بتشريفه برنامج افتتاح منافسات الدوري الممتاز (بطولة النخبة) بدار الرياضة أم درمان، قبل أن ينتقل مساءً إلى ملعب المدينة الرياضية بكوبر في الخرطوم بحري لمتابعة مباراة المريخ والأهلي مدني ضمن المنافسة ذاتها، ولعل اللافت في كل هذه المحطات لم يكن الحضور الرسمي بحد ذاته، بل حالة التفاعل الجماهيري الواسعة؛ هتافات، تجمعات عفوية، وصور انتشرت بسرعة على منصات التواصل الاجتماعي، ما أظهر تعطشاً عاماً لعودة الأنشطة الرياضية والحياة المدنية بعد فترة الحرب، كما عكست هذه المشاهد الدور المتصاعد للرياضة بوصفها إحدى أدوات التعافي المجتمعي وإعادة بناء الروابط الاجتماعية في مرحلة ما بعد الصراع.
كسر الحواجز
وفتحت تحركات البرهان باباً واسعاً للمقارنة مع نماذج عديدة في المحيط الأفريقي، حيث يظهر بعض الرؤساء وسط إجراءات أمنية بالغة التعقيد رغم أن بلدانهم تنعم بالاستقرار، فيما يفضل آخرون مخاطبة الجماهير من خلف الزجاج المدرع أو عبر مركبات محصنة، وفي المقابل، جاء المشهد السوداني مختلفاً؛ قائد دولة ما تزال تواجه تحديات الحرب يظهر في الأسواق والملاعب والشارع العام، ويتحرك وسط الجماهير بصورة مباشرة، وبغض النظر عن التقييمات السياسية المختلفة، فإن هذه الصور نجحت في فرض نفسها كحدث بصري وإعلامي لافت، لأنها كسرت النسق التقليدي وطرحت نموذجاً مغايراً للتواصل السياسي في لحظة شديدة الحساسية، وبإجماع مراقبين فإن هذه التحرّكات تحمل رهاناً مزدوجاً؛ من جهة تأكيد الثقة في الواقع الميداني، ومن جهة أخرى تعزيز الارتباط الشعبي بالمؤسسات الوطنية وفي مقدمتها القوات المسلحة، خاصة في ظل استمرار الحرب والتحديات الأمنية.
خاتمة مهمة
على كلٍّ.. فما بين سوق أم درمان، وملاعب المصارعة في الحاج يوسف، ومدرجات كرة القدم في أم درمان وبحري، رسمت تحركات البرهان الأخيرة صورة مختلفة للمشهد العام في الخرطوم؛ صورة تحاول استعادة الحياة من قلب الحرب، الرسالة الأبرز التي التقطها الشارع من هذه التحركات تمثلت في كسر الحواجز بين القيادة والجمهور، وإعادة ضخ مشاعر الطمأنينة والثقة في الفضاء العام، بينما تحولت اللقطات العفوية إلى مادة تفاعلية واسعة على منصات التواصل، لتصبح جزءًا من السردية الجديدة لمرحلة تتأرجح بين تحديات الحرب ورغبة المجتمع في العودة إلى الحياة، وعلى قدر أهل العزم، تأتي العزائم.






