انقسامات واسعة تسبق اجتماعات اللجنة الخماسية بإثيوبيا
إعلان أديس .. إعادة إنتاج الأزمة
تحفظات واعتذارات من قوى سودانية..تدخّلات خارجية
اتهامات بمحاولة “هندسة سياسية” ..تحركات غربية
مخاوف من تعدّد المنصات الدولية..عرقلة مساعي السلام
خبراء: لا تسوية دون العودة لمنبر جدة وإبعاد المليشيا عن المشهد
تقرير : رحمة عبدالمنعم
في وقت تتصاعد فيه التعقيدات حول مسارات الحل السياسي للأزمة السودانية، ينعقد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا اجتماع اللجنة الخماسية المعنية بالملف السوداني، في إطار ترتيبات دولية وإقليمية تسعى لدفع عملية حوار سياسي بين الأطراف السودانية، وسط تباين واسع في المواقف واتهامات متبادلة بمحاولة “هندسة” مسار سياسي جديد خارج إطار الدولة ومؤسساتها الرسمية.
مقاطعات وتحفّظات
وتنطلق الأربعاء المقبل الثالث من يونيو بمقر الاتحاد الأفريقي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا اجتماعات اللجنة الخماسية المعنية بالأزمة السودانية، بمشاركة الأطراف السودانية التي شاركت في مؤتمر برلين بشأن السودان
وبحسب مصادر سياسية تحدثت لـ”الكرامة”، فإن عدداً من التحالفات والقوى المدنية أبدت تحفظها على المشاركة في اجتماع أديس أبابا، بل واعتذرت عن الحضور، احتجاجاً على توسيع قاعدة المشاركة لتشمل قوى جديدة، وهو ما تعتبره هذه الأطراف “إغراقاً متعمداً للمشهد السياسي” ومحاولة لإعادة تشكيله دون توافق وطني جامع.
وترى هذه القوى أن الترتيبات الجارية تمضي نحو إدخال أطراف ذات طبيعة جدلية في العملية السياسية مثل تحالف صمود وحركة عبدالواحد نور، بما قد يؤدي بحسب وصفها إلى إضعاف المسار الوطني وفتح الباب أمام تسويات جزئية لا تعكس ميزان القوى داخل السودان.
وتضم اللجنة الخماسية كلًا من الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، إلى جانب الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد)، وهي أطراف ظلت منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 تدير اتصالات مكثفة مع القوى السودانية بهدف بلورة مسار تفاوضي يوقف الحرب ويؤسس لعملية سياسية جديدة.
“هندسة سياسية”
في المقابل، تشير تسريبات دبلوماسية إلى أن الاجتماع التحضيري في أديس أبابا لا يقتصر على النقاش السوداني-السوداني، بل يتجاوز ذلك إلى ما يشبه “إعادة صياغة” للإطار السياسي عبر وثيقة مرتقبة تُعرف بـ“إعلان المبادئ السياسية”، يُفترض أن تحدد ملامح المرحلة المقبلة.
وتذهب بعض القراءات السياسية إلى أن هذا المسار، رغم طابعه التشاوري المعلن، قد يفتح الباب أمام ترتيبات سياسية جديدة لا تحظى بإجماع داخلي، خصوصاً في ظل مشاركة شخصيات وتيارات سياسية ومدنية متباينة المرجعيات والانتماءات.
كما يثير اختيار أديس أبابا كمقر للاجتماعات، بالتزامن مع تحركات سياسية موازية لتيارات سودانية مختلفة، تساؤلات حول إمكانية تنسيق غير مباشر لمسارات متعددة داخل الإقليم، وهو ما تعتبره بعض الأطراف “تداخلاً في مسارات الحل بدل توحيدها”.
تلويح «الشعبي»
وفي سياق متصل، حذر حزب المؤتمر الشعبي من محاولات إقحام قوى مرتبطة بالنظام السابق في الاجتماعات التحضيرية، معتبراً أن ذلك قد ينسف ما تبقى من ثقة بين الأطراف السياسية، ويدفع نحو مقاطعات أوسع تهدد جدوى اللقاء،وأكد الحزب أنه قد ينسحب من العملية برمتها إذا لم تتم مراجعة قائمة المشاركين، محملاً الآلية الخماسية مسؤولية أي تفكك محتمل في جبهة القوى المدنية.
ويرى الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي الشاذلي المادح، أن التحركات الجارية في أديس أبابا تعكس تعدّد منصات الحل بدل توحيدها، محذراً من أن استمرار العمل عبر مسارات متوازية قد يضعف فرص الوصول إلى تسوية شاملة، ويكرّس حالة الاستقطاب السياسي بدلاً من معالجتها.
ويضيف أن تعدد الفاعلين الدوليين والإقليميين داخل الملف السوداني، رغم أنه يعكس اهتماماً دولياً بالأزمة، إلا أنه قد يتحول إلى عامل تعقيد إضافي إذا لم يُبنَ على مرجعية سودانية موحدة وملزمة.
إشكالية جوهرية
من جانبها قالت رئيس تحرير صحيفة أخبار السودان سمية سيد إن مؤتمر أديس أبابا يواجه إشكالية جوهرية تتعلق بغياب التوافق السوداني حول أطرافه وأجندته، مشيرة إلى أن توسيع المشاركة دون مرجعية سياسية واضحة قد يؤدي إلى إنتاج مخرجات ضعيفة وغير قابلة للتنفيذ.
وأضافت لـ”الكرامة”، أن الحوار السياسي ضرورة لإنهاء الأزمة السودانية، لكن أي مسار يتجاوز الحكومة الشرعية يمس السيادة الوطنية ولا يمكن أن يحقق نتائج إيجابية، لافتة إلى أن بعض ترتيبات اللجنة الخماسية تتسم بتركيز على أطراف وإقصاء أخرى بما يضعف قبول مخرجاتها.
وأوضحت سيد أن أي حوار لا يستند إلى تمثيل حقيقي للقوى المؤثرة على الأرض، ولا يأخذ في الاعتبار تعقيدات الحرب السودانية، سيظل أقرب إلى “إطار نظري” منه إلى مسار عملي قادر على إنهاء الحرب أو معالجة جذورها.
وأكدت أن الإشكال لا يتعلق فقط بعدد المشاركين، بل بطبيعة العملية ذاتها، هل هي حوار تأسيسي حقيقي أم مجرد إدارة دولية للأزمة عبر منصات متعددة، معتبرة أن تعدد المبادرات دون تنسيق بينها يخلق حالة تشظٍ سياسي إضافية بدلاً من بناء أرضية مشتركة”.
وأشارت سمية سيد إلى أن أخطر ما في المسارات الحالية هو محاولة فرض تصورات جاهزة للحل من الخارج، في وقت لا يزال الداخل السوداني نفسه منقسمًا حول تعريف الأزمة وأولويات معالجتها، مضيفة أن أي عملية سياسية لا تنطلق من الداخل وتستند إلى ميزان القوى الحقيقي ستظل عرضة للتعثر أو الانهيار عند أول اختبار جدي.
وختمت بالقول أن العودة إلى منبر جدة تمثل خياراً أكثر واقعية، محذرة من أن أي تسوية لا تقوم على إبعاد مليشيا الدعم السريع عسكرياً وسياسياً لن تفضي إلى حل مستدام للأزمة.






