د.عبد اللطيف البوني يكتب : «بأمر فيك تجديد»

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

«بأمر فيك تجديد»

(1)
لا أتذكر التاريخ الذي كنت أفرح فيه بالعيد ..فمنذ طفولتي المتأخرة َ وصباى الباكر ….نشأت بيني وبين الأعياد جفوة ..فراعي أبقارنا كان يدخل في إجازة العيد وكنت أقوم بحل محله بأمر من الوالد العزيز… تتنزل شابيب الرحمة على قبره الطاهر… مع أنه كانت هناك بدائل أخرى للسَرحة بالنسبة الأبقار… مثل أن تُحبس في الزريبة وتُعلف فيها … أو يحفز ذات الراعي بأجر إضافي ..كما أن هناك رعاة طوارئ لمثل يوم العيد… والوالد كان من الموسرين في زمانه ..لكنه كان يصر على أن أقوم أنا بذلك الدور لحاجة في نفسه… أدركتها فيما بعد دون أن يبوح لي أو لغيري بها إلى أن رحل عن الدنيا … فبِسَرحة يوم العيد مع تصرّفات أخرى كثيرة كان يروم التنشئة الخشنة للابن الوحيد وسط السبعة بنات …الشاهد في الأمر استمرار الجفوة هذه منذ بداية المرحلة الابتدائية إلى نهاية المرحلة الوسطى…ثم بعد ذلك أخذت أنظر للعيد كيوم كثير الأعباء تتجدّد فيه الأحزان ..وقد سعدت ذات يوم قرأت فيه للشاعر الرقيق عبد الوهاب هلاوي قولاً جاء فيه إن يوم العيد يوم حزن بالنسبة له …الأمر الذي طمأنني بأنني لست وحدي غير المتصالح مع الأعياد.
(2)
بمضي الأيام والسنوات تحوّلت العلاقة مع الأعياد من الجفوة إلى الرتابة أو يمكن وصفها بالمحايدة ..غلب عليها الطابع الاجتماعي كحرص على معايدة الكبار والمرضى وذوي الفقد و مناسبات زواج واجتماع شمل ..إلى ذلك العيد الذي جاء في الأيام الأوائل لحرب منتصف أبريل ٢٠٢٣ ذلك الذي صادف عيد فطر ١٤٤٤ هجرية… وبعده دخلنا في أعياد من نوع رهيب وغريب ..الدعم السريع رمى بظلاله المرعبة على كامل منطقتنا ..فتفرقت إقامة شعائر العيد عندنا فبدلاً من اجتماع جميع أهل القرية في مصلى العيد الأوحد… أصبحت تقام في عدة مواقع ..الشباب كان موزّعاً على ثغور القرية …الأخبار السيئة تتواتر من كل حدب وصوب ..الهجوم متوقع في أي لحظة …الإحساس بأن هذا آخر عيد يسيطر على كل نفس …
امضيت ثلاثة أعياد في ظلال دولة مليشيا الدعم السريع …أقل ما توصف به انها أعياد مرعبة ..ثم جاء التحرير فطرد الجيش الدعامة من شمال الجزيرة في خواتيم ٢٠٢٤ ..وبعدها خرجت من السودان في أواخر رمضان قبل الأخير حيث عيّدت عيد الفطر بالمملكة العربية السعودية … ثم بعدها إلى مصر التي صادفت عيدين فيها ..أعياد الغربة لها طعم مختلف …أعياد لاتتمناها لحبيب أو قريب ..ليس فيها إلا الشعيرة الدينية (بالله عليكم لا تقولوا طقوس دينية فالإسلام دين شعائر وليس دين طقوس… هذا والله أعلم) أما البعد الاجتماعي في أعياد الغربة فهو صفراً كبيراً ..لا مصافحات ولا زيارات لا زواج لا عرس لا خطوبة ولا بلال موسى …الحنين والشوق للوطن ولمة الأهل يحتقن في الدواخل ولا تنفّسه إلا الدموع (أمانة يا الدموع ما ليكي حوبة) تكتشف أن الأسرة الصغيرة لاتغني عن الأسرة الكبيرة.
(3)
لما تقدّم أعلاه ولعودتي (لحضن الوطن) قبل ثلاثة أسابيع من العيد الأخير …انتظرته بفارغ الصبر …ترقّبته كما يرتقبه طفل في السابعة… فوق الخروف أحضر له والده لبسة وجزمة جديدة حباً وكرامة ..حسبت الأيام والساعات والدقائق مستعجلاً قدومه ..كيف لا وقد جاءني بعد مجافاة الأعياد ثم بعد أعياد رتيبة ثم بعد ثلاثة أعياد مرعبة وثلاثة أعياد حزينة …لقد نسيت تماماً أنني موعود سبعين (ياجماعة الخير أنا رابط في الحتة دي ) …
في صبيحة يوم العيد كنت من أوائل الحاضرين لمصلى العيد.. و(آخر جلابية بيضا مكوية يا حبيبي بسحروك لي )وردّدت التكبير والتهليل والحمد مع الحضور بأعلى صوت لدرجة لفتت نظر المجاورين… وبعد الصلاة والخطبة وقعت في الحضور مقالدة ومصافحة والعفو لله والرسول (نعم والرسول كيتا في جماعة أصحابي) تتبادل الدموع مع هذا وتتبادل الضحكات مع ذاك ….وترفع الصوت مع ثالث وتخفضه مع رابع …ناس أعمار وأنواع وأنت بدورك تتشكل حسبهم …وتواصلت ذات المناظر بعد الخروج المتأخر من المصلى …فقد كان عيداً ولا كل الأعياد ….أكاد أجزم بأنه أول عيد استطعمه في حياتي التي مرت بها عشرات وعشرات الأعياد …
لهذا أتجرأ وأقول لسيدنا شاعر شعراء العربية أبو الطيب المتنبىء وبملء الفم ..(بأمر فيه تجديد ) وبالدراجية السودانية (عيد جديد لنج ومختلف) هذا إجابة على سؤاله المشهور في بيت شعره الأشهر (عيد باية حال عدت يا عيد بما مضى أم بأمر فيك تجديد ؟) ويلا يا شاعرنا العظيم (شوف ناسك وين…غايتو ديل ما نحن).
(4)
بما أنه لا يوجد إطلاق في هذه الدنيا وكل شي نسبي … فلن أبالغ وأقول إن اليوم كان خالياً من المنغصات ..فالدنيا لن تكتمل لشخص …وأي يوم مهما كان سعيداً لابد من أن تكون فيه بثور شقاء وإن شئت قل بذور …فقد لحظت في مصلى العيد انخفاض عدد الأتراب والأنداد…ناهيك عن الذين يكبروننا في السن .. ومن قابلته منهم وجدت أن الزمن ترك بصمته عليه …نفس هذه الملاحظة حدثت لي عندما زرت الأهل في بلدة النوبة وأمضيت معهم نهار الجمعة التي تلت العيد ..رأيت صورة نفسي فوجدتها هي الأخرى إن الزمن قد فعل بها الأفاعيل …و بمعدل أكبر من الذي حدث للأنداد …فهل هذه النشوة التي أشعر بها حالة إنكار ؟ أم جهل بما (كان الزمن ضامر ) أم فجة المغادرة ؟
في الأعياد الرتيبة التي مضت تعوّدت على معايدة كل من يكبرني سناً من الأهل في منازلهم …. و ََزيارة المرضى وزيارة الأسر ذات الفقد بين العيدين .. …في هذا العيد لقد انخفض عدد كبار السن الي أقل من الربع تقريباً.. أكاد أجزم بأن الذين رحلوا عن الدنيا منهم في الأعياد الستة الأخيرة فوق الثمانين في المائة من الذين كنت أزورهم .. ..كما أن عدد المرضى الذين لم يخرجوا للعيد فوق المعدل ..وكل الأسر أصبحت ذات فقد…ومع ذلك كان المصلى والطرقات تموج بالشباب والشابات والأطفال ….وهكذا سنة الحياة… ناسات تفوت وناسات تجي … ولكن وآه من لكن هذه سنواتنا الأخيرة كانت سنوات جدب وجفاف …والآن في إنتظار سنوات الخصب والنماء… قولوا يارب ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top