الحرب تعصف بالتماسك الأسري
معدّلات الطلاق ..أرقام مُفزعة
“35” ألف حالة طلاق.. نزوح وتردّي اقتصادي
الخرطوم تتصدّر والجزيرة ثانية وتليها دارفور ..احصائيات
مليون امرأة نازحة..انفصال وتشتت
رفيعة الحاج :فقدان المأوى والعمل أضعف صمود الأسر
تقرير:رحمة عبدالمنعم
لم تتوقّف تداعيات الحرب التي اندلعت في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023م عند حدود الخسائر البشرية والاقتصادية فحسب، بل امتدت لتضرب أحد أهم مكونات المجتمع السوداني وأكثرها تماسكاً، وهو الأسرة، في ظل ارتفاع ملحوظ لمعدلات الطلاق والتفكك الأسري خلال السنوات الثلاث الماضية.
حالات الطلاق
وكشفت مصادر بالسلطة القضائية السودانية لموقع “سودان تربيون” عن تسجيل نحو “35” ألف حالة طلاق منذ اندلاع الحرب، في مؤشر يصفه مختصون بأنه تحول اجتماعي عميق وغير مسبوق فرضته ظروف النزوح واللجوء والانهيار الاقتصادي الذي صاحب الحرب.
ووفقاً للمصادر، تصدرت ولاية الخرطوم قائمة طلبات الطلاق وقضايا الخلع والنفقة، تلتها ولاية الجزيرة، ثم ولايات دارفور الخمس، فيما سجلت محاكم ولايات نهر النيل والشمالية والبحر الأحمر والقضارف وكسلا أعداداً كبيرة من دعاوى الطلاق والنفقة، باعتبارها من الولايات التي استقبلت أعداداً ضخمة من الأسر النازحة من مناطق الحرب.
ويرى باحثون في علم الاجتماع أن الحرب أحدثت تحولاً جذرياً في الأدوار الاقتصادية والاجتماعية داخل الأسرة السودانية، بعد أن فقد آلاف الأزواج وظائفهم ومدخراتهم ومصادر دخلهم، في وقت توقفت فيه رواتب أعداد كبيرة من العاملين، الأمر الذي فاقم الضغوط المعيشية وأضعف قدرة الأسر على مواجهة متطلبات الحياة اليومية.
وتشير التقديرات إلى أن آلاف الرجال وجدوا أنفسهم عاجزين عن توفير الاحتياجات الأساسية لأسرهم سواء في مراكز الإيواء أو في المساكن المستأجرة بالولايات الآمنة ودول الجوار، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الاستقرار الأسري والعلاقات الزوجية.
خدمات الحماية
وتكشف بيانات أممية حديثة أن النساء والفتيات يشكلن أكثر من 53% من إجمالي النازحين داخلياً وخارجياً منذ اندلاع الحرب، ما جعلهن الأكثر تحملاً لأعباء النزوح والتشتت الأسري. كما أفادت تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن أكثر من 4.2 مليون امرأة وفتاة في السودان يحتجن إلى خدمات الحماية والرعاية العاجلة نتيجة تزايد العنف القائم على النوع الاجتماعي وتداعيات الانهيار الاقتصادي والاجتماعي.
و تشير البيانات الدولية إلى أن ما يقارب مليون امرأة نازحة أصبحن بصورة مفاجئة المسؤولات الرئيسيات عن إعالة أسرهن بعد فقدان الأزواج أو انفصالهم أو تفرقهم في ولايات مختلفة، ما ضاعف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والنفسية الواقعة على كاهلهن.
ظلال ثقيلة
من جانبها، أكدت وزيرة الرعاية الاجتماعية ووزيرة الدولة بوزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية سليمى إسحاق أن الحرب ألقت بظلال ثقيلة على الأسرة السودانية وأسهمت في ارتفاع معدلات الطلاق والتفكك الأسري.
وقالت لـ”الكرامة” في وقت سابق،إن الحرب أفرزت خطاب كراهية واسع النطاق داخل المجتمع، انعكس بصورة سلبية على العلاقات الأسرية والزوجية، وأسهم في تعميق الخلافات داخل بعض الأسر، الأمر الذي قاد في حالات عديدة إلى انهيار الحياة الزوجية.
وأوضحت أن النزوح واللجوء وتفرق أفراد الأسرة بين الولايات والدول المختلفة كان من أبرز العوامل التي أضعفت الروابط الأسرية، حيث أدى البعد الجغرافي وطول فترات الانفصال إلى خلق ضغوط نفسية واجتماعية كبيرة ساهمت في زيادة معدلات الطلاق.
وأضافت أن بعض الأزواج تنصلوا من مسؤولياتهم الأسرية خلال الحرب، تاركين النساء والأطفال في ظروف بالغة الصعوبة، الأمر الذي فاقم من معاناة الأسر المتضررة من النزوح والضائقة الاقتصادية.
وأشارت إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية وانتشار بعض السلوكيات السالبة، بما في ذلك تعاطي المخدرات، زاد من حدة المشكلات الأسرية، لافتة إلى ظهور حالات إنسانية مؤلمة داخل معسكرات النزوح لأمهات فقدن التواصل مع أطفالهن بعد وقوع الطلاق وانتقال الأبناء مع آبائهم إلى مناطق أخرى.
وأكدت أن الوزارة تعمل بالتنسيق مع الجهات المختصة والمنظمات الإنسانية لمتابعة هذه القضايا والحد من آثارها الاجتماعية والنفسية على الأسر المتأثرة بالحرب.
ضغوط معيشية
وقالت الباحثة النفسية رفيعة الحاج لـ”الكرامة”،إن الارتفاع الملحوظ في معدلات الطلاق خلال فترة الحرب يرتبط بصورة وثيقة بالضغوط الاقتصادية والنفسية التي تعرضت لها الأسر السودانية.
وأوضحت أن النزوح الجماعي من مناطق الحرب إلى الولايات الآمنة أدى إلى انتقال أعداد كبيرة من الأسر للعيش في منازل أقاربها أو في مساكن مشتركة، الأمر الذي خلق بيئة مزدحمة ومختلفة عن نمط الحياة المعتاد للكثيرين.
وأضافت أن فقدان الخصوصية وتغير أنماط الحياة اليومية أسهما في زيادة التوتر داخل الأسر، خاصة في ظل تراكم الأعباء الاقتصادية وغياب مصادر الدخل المستقرة، مشيرة إلى أن كثيراً من الأسر فقدت منازلها وممتلكاتها وأعمالها، بينما وجد عدد كبير من أرباب الأسر أنفسهم بلا وظائف أو فرص عمل تمكنهم من تلبية احتياجات أسرهم الأساسية.
وأكدت رفيعة أن الضغوط النفسية الناتجة عن النزوح وفقدان الاستقرار والشعور المستمر بعدم اليقين ساهمت في تصاعد الخلافات الأسرية، مشددة على أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب دعماً نفسياً واجتماعياً واقتصادياً للأسر المتضررة، إلى جانب برامج تعزز التماسك الأسري وتساعد على تجاوز آثار الحرب.
تحدٍ اجتماعي
ويرى مراقبون أن تصاعد معدلات الطلاق خلال سنوات الحرب يمثل أحد أخطر التحديات الاجتماعية التي ستواجه السودان في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، إذ لا تقتصر آثار التفكك الأسري على الزوجين فقط، بل تمتد إلى الأطفال والمجتمع بأكمله، ما يستدعي وضع برامج متكاملة للدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي لحماية الأسرة السودانية والحفاظ على تماسكها في مواجهة التداعيات المستمرة للحرب.






