حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
«مشاريع مضروبة في رُكبها »
(1)
هذه إن شاء الله الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة …التي خصصناها ليس لمطلق الحديث عن الزراعة إنما للموسم الزراعي …الذي أطل علينا الآن ونحن في حيرة من أمرنا… والغرض من المقالات دق ناقوس الخطر لأن فشل الموسم الزراعي… في هذا الظرف الحرج الذي تمر به بلادنا… قد يؤدي لإنهاء وجودها فبلادنا في خطر والزراعة من أهم العواصم من القواصم التي تتعرّض لها البلاد ..ومهما كانت أوضاع البلاد فإنه يمكن إنقاذ الموسم الزراعي.. وقد نبهنا في المقالات السابقة الي أهمية الالتفات للزراعة المطرية بشقيها التقليدي والحديث … وقلنا إن واجب الدولة أن تتجه للزراعة المطرية الحديثة الآن وتوفّر لها الجازولين والتمويل… فإذا لم تفعل الدولة ممثلة في وزارة المالية ذلك …فإن الكارثة واقعة واقعة ولا أظن أن الحكومة محتاجة لتنبيه في الموضوع فهو من البديهيات… ومن المعلوم بالضرورة لدي أي مواطن عادي ناهيك عن مسؤل أو حاكم ..
(2)
المشاريع المروية وعلى رأسها مشروع الجزيرة (كبير السحرة) تبلغ مساحتها الإجمالية حوالي الخمسة ملايين فدان.. يزرع منها في العروة الصيفية الخريفية حوالي نصفها ..وهي الأخرى تحتاج إلى الجازولين والتمويل مثلها مثل الزراعة المطرية الحديثة ولكن تختلف عن الزراعة المطرية في أن حاجتها الأولى تكمن في صيانة القنوات …فكل قنوات الري اجاركم الله حالها يغني عن سؤالها… فمن قبل الحرب لم تكن على ما يرام ثم جاءت الحرب وزادت الطين بلة … في الجزيرة لعبت القنوات الرئيسية والفرعية دوراً مباشراً في العمليات الحربية إذ استخدمت كدفاعات وأحياناً أدوات هجوم، وهذه قصة أخرى فالمهم أن هذه القنوات تعرّضت لتخريب ..صيانة قنوات الري تقع على عاتق وزارة الزراعة والري ..وكان ينبغي أن تكون وزارة الري قائمة بذاتها لكن معليش خلونا من الحتة دي الآن.. . إذن صيانة القنوات مسؤلية الحكومة الاتحادية وليس لوزارة المالية الحق في أن تتحجّج بأن قانون مشروع الجزيرة وغيرة رفع يد الدولة عن الصرف عليه ..ثم ثانياً عدد السكان الذين يقطنون في المشاريع المروية يصل إلى خمسة عشر مليون مواطن أليس من واجب وزارة المالية أن تدعم هذه المشاريع من أجل إطعام هذا العدد الكبير ؟ وفي حالة شح الأمطار في مناطق الزراعة المطرية ليس امام الدولة من سبيل إلا تكثيف الزراعة في المشاريع المروية .. ثم في هذه المشاريع تزرع المحاصيل النقدية كالقطن وهو مصدر هام من مصادر العملة الصعبة ..باختصار شديد إنه على عاتق الحكومة الآن صيانة القنوات وتوفير الجازولين وتوفير التمويل …وعلى خلاف الزراعة المطرية الحديثة يمكن تشجيع الزراعة التعاقدية في المشاريع المروية ويمكن للحكومة أن تلعب دوراً إيجابياً في هذا الأمر . …فالزراعة التعاقدية في تقديرنا من المخارج الهامة للمأذق الزراعي السوداني وهذة قصة تحدثنا عنها كثيرا ولن نمل الحديث فيها. ..
(3)
غني عن القول إن ما قلناه أعلاه يتعلّق بانقاذ الموسم الزراعي الماثل ..أما إصلاح المشاريع المروية والشأن الزراعي العام …فهو قضية كبيرة ظل الحديث يدور عنها منذ قرن من الزمان.. أي من منذ اليوم الذي نشأ فيه مشروع الجزيرة.. وسيظل الحديث يدور عنها الي يوم يبعثون… طالما أن هذه المشاريع ظلت جاثية على ركبتيها ..لم تستسلم وتنبطح ولم تقف على رجيلها ..ستظل مثل صخرة سيزيف لن نتركها تسقط على الأرض ولن نستطع أن نضعها على القمة … وسنظل نراوح بها كل العمر إلى أن يغيّض الله لنا حلاً ..لعل المفارقة أن الحلول موجودة .. وقد رأيناها رأي العين في بلادنا و في العالم حولنا ..لكن هناك جماعات المصلحة المضادة التي تقف حجر عثرة أمام أي إصلاح ..إنها الجماعات المستفيدة من هذه الأوضاع المتردية ..إن جماعات المصلحة المضادة من بني جلدتنا ومن الإقليم الذي نعيش فيه ومن العالم حولنا …هناك من يريدنا جاثين على ركبتينا للأبد …وللأسف نحن ما جايبين خبر… وشغالين بالفارغة والمقدودة… والآن جابت ليها حرب عشان تجهز علينا نهائياً…ونحن سادرين في غينا وكل واحد منا عامل هو الشريف والآخر هو الخائن ..كدى خلونا هسي من الوجع دا وانقذوا الموسم الزراعي الماثل ..لأن فشله سوف يعجّل بحتفنا في هذا الظرف ..إنها صيحة قد أطلقناها فهل من سامع ؟.






