د.عبد اللطيف البوني يكتب: علي شمو… رجل لا يعرف الغياب

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

علي شمو… رجل لا يعرف الغياب

(1)
في ١٩٨٤م زار قريتنا السيد عبد الرحيم محمود حاكم الإقليم الأوسط لتدشين دخول التيار الكهربائي للقرية… وكان في صحبته السيد علي شمو الذي كان وزيراً اتحادياً القى كلمة القرية رئيس لجنة الاحتفال أستاذ الأجيال المرحوم عبد القادر علي ابراهيم.. وكانت كلمة وافية وضافية.. والقيت أنا كلمة الشباب ثم اختتم الحفل السيد حاكم الإقليم الذي أشاد بجهود القرية وبالكلمتين وخص الشباب بتبرع مقداره أربعة الف جنيه .. وكان مبلغاً كبيراً ..لم أقترب من الحاكم ولا الوزير لافي الاستقبال ولا الضيافة التي كانت فطوراً ولا الوداع … لأن هذا شغل أعيان القرية … لكنني كنت استرق النظر من بعيد لبعيد للسيد علي شمو الذي كان يرتدي جلابية سمنية وعلى كتفة عباءة سوداء … بحكم شهرته الإعلامية وكم تمنيت لو القى كلمة بصوته الفخيم ..لكنه اكتفى بدور ضيف الشرف ..
في تسعينات القرن الماضي جمعتني مناسبة مع السيد علي شمو فصافحني بالاسم… ولم استغرب هذا لأنه كان لي شي من الظهور في الصحف والتلفزيون… ولكن الذي أدهشني هو أنه وفي معرض ذكره لزيارة اللعوتة المشار إليها أعلاه… ذكر لي بعض ما جاء في كلمتي التي القيتها ذاكراً بالنص بعض المفردات التي أعجبته فيها .. وأشهد الله أنني قد نسيتها تماماً… إذ مرت عليها قرابة العشر سنوات تخللتها أحداث جسام مرت بالبلاد والأستاذ … وقال لي أنه طلب عبد الرحيم محمود بأن يخص الشباب بتبرع خاص …أكد لي هذا الأمر أن الاستاذ شمو قد حباه الله بقدرات عقلية غير عادية ..وأن التفرد والتميّز لا يأتي بساهلة ..أما مودته وتواضعه وهو يتجاذب معي أطراف الحديث .. كأنه صديق قديم .. فهي في أصله… يلمس هذا كل من التقى به… فهو موطأ الاكناف… شديد الاحترام والحفاوة بكل من يتعرّف عليه … ويجالسه لذلك يكون من الطبيعي أن يحبه ويحترمه كل من احتك به .
(2)
الرمية أعلاه مناسبتها واضحة طبعاً… وهي أن الاستاذ شمو قد أصبح (ترينداً) هذه الأيام… إذ سيطر خبر عودته للبلاد من الهجرة القسرية التي كان فيها على التايملاين السوداني .. رغم أن أخباراً هامة جداً (تتطاقش) في الفضاء الاعلامي السوداني… وهذا يدل على المكانة السامية التي حازها أستاذنا في قلوب أهل السودان ، الاحتفاء بعودته امر مستحق.. ولكن القضية الأساسية هي خروجه المهين من بيته ومن مدينته ومن بلاده وهو من هو …
العدوان الغاشم وغير المسبوق الذي وقع على السودان ..و الذي لم يوفر كبيراً ولا صغيراً …ولم يوفر عالماً أو جاهلاً .ولم يستثنى رجلاً أو امرأة ..قد تجسّد ضحاياه في شخصية علي شمو ..فهذا الاستاذ التسعيني هو المدير المؤسس لتلفزيون السودان وهو في الثلاثين من عمره …وقد تسنم منصب وزير الإعلام عدة مرات ومع أنظمة سياسية مختلفة ..لأنه تكنوقراط وطني مخلص …نعم سياسي وعالم في السياسة بحكم تأهيله الأكاديمي وبحكم المهنة… ولكنه غير منتمي لحزب معين إنما انتماؤه لمجمل الوطن ومجمل ثقافة الوطن …لقد جاء للوزارة من منصب الوكيل الذي وصله بعد تدرج حكمته قوانين الخدمة العامة ..وهي قوانين موضوعية ليست مفصلة على أحد ..لم يأتي للوزارة من دهاليز السياسة و(وجخانينها) الجانبية لذلك ظل عطاؤه مستمراً كوزير أو بعيد عن الوزارة ويكفي هنا أن نشير لنشاطه العام الجم والكتب المرجعية التي الفها في الإعلام ..وكثرة تلاميذه في المهنة وفي قاعات المحاضرات .. …انه رجل لا يعرف الغياب ..نعم منصب الوزير منصب سياسي ولكنه فرض على أستاذنا وقام به كواجب قومي .. ودفع ثمن قبوله…الذي عصم أستاذنا من الذلل هو تحديده لهدفه السامي وهو خدمة شعبه وبلاده .. رجل بكل هذا التاريخ لا يعرفه من أراد السيطره على السودان في ١٥ أبريل ٢٠٢٣ فهذا يدل على عظم النكبة التي نكب بها السودان …أما انهم أهانوه وعبثوا بمنزله عامة وبصورة أخص بمكتبته القومية النادرة ..وشردوه وجعلوه يتنقل داخل البلاد وخارجها فهذا يوضح فداحة الابتلاء الذي ابتلى به السودان …
(3)
نقطة جانبية اهتممت بها اهتماماً خاصاً وهي تقع في سوسيولوجيا الحرب الحالية … وهي أن خبر هجرة وعودة البروفسير علي شمو جاء مقروناً بأنه أمضى معظم أيام هجرته القسرية في مدينة حائل بشمال المملكة العربية السعودية مع ابنته الدكتورة سهير ..وقدكنت سألت عن عدد من أساتذتنا و زملائنا الذين هجروا من البلاد قسراً … فعلمت أن معظمهم إن لم أقل كلهم قد أمضوا أيام البعاد مع بناتهم .. في حين أنهم إن لم أقل كلهم لديهم أبناء ذكور برره ولم يقصروا في الإنفاق عليهم…فسألت ..وتساءلت ..و
فتشت في نفسي لأنني من هذه الفئة …لماذا مع البنات دون الأولاد ؟ فكان الإجماع (الواحد بلقى راحته مع بنته ) أما ما هي حيثيات هذه الراحة… فهذه التي أحاول الوصول إليها …الي حين ذلك أقول للذين من بعدنا … عليكم ببناتكم …عليكم بناتكم… ولا تقصّروا في حقهن … فالظروف ما معروفة …فهن العواصم من القواصم … ونستاذن اخوانا الشيوعيين في تغيير هتافهم القديم (عاش كفاح المرأة العاملة) إلى (عاش كفاح البنت العاملة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top