دقّت ناقوس الخطر وطالبت بإنهاء «الحياد السلبي» فورين بوليسي.. المليشيا «إرهابية»

دقّت ناقوس الخطر وطالبت بإنهاء «الحياد السلبي»

فورين بوليسي.. المليشيا «إرهابية»

الصحيفة الأمريكية ارتكزت على تقارير أممية.. معلومات دقيقة

الدعوات المتصاعدة للتصنيف .. حسابات سياسية

مراجعة سياسة الحياد الدولي.. تطوّر مهم

تقرير: محمد جمال قندول

مع صباح كل يوم يضيق الخناق على ميليشيا آل دقلو، وذلك بفضح انتهاكاتها غير المسبوقة ضد المدنيين وجرائمها التي أضحت واضحة للعالم.
وطالبت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية واسعة الانتشار بضرورة تصنيف ميليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية، حيث ارتكزت في تقريرٍ لها على تحقيقات الأمم المتحدة بشأن الاستهداف الممنهج للمدنيين وتدمير الميليشيا للبنية التحتية.
ناقوس الخطر
ودقّت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية ناقوس الخطر إزاء التطورات العسكرية والسياسية في السودان مع دخول النزاع المسلح عامه الرابع، مؤكدة أن المجتمع الدولي يواجه استحقاقاً قانونياً وأخلاقياً مفصلياً لإنهاء سياسة “الحياد السلبي” ومساواة الفظائع بين طرفي النزاع، وهي السياسة التي وصفتها المجلة بأنها فشلت في كبح جماح الحرب، ووفرت غطاءً سياسياً لقوات الدعم السريع للمضي قدماً في تقسيم البلاد وتكريس الإفلات من العقاب.
وفي تقرير تحليلي بارز، دعت المجلة الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي إلى الإسراع في تصنيف قوات الدعم السريع كـ”منظمة إرهابية أجنبية (FTO)”، مستندة إلى ثلاثة أبعاد رئيسية تشكل ملامح الكارثة السودانية الحالية: أولها: الأركان القانونية لـ”الإرهاب والإبادة”، حيث أكد التقرير، بالاعتماد على تحقيقات الأمم المتحدة ومقرري حقوق الإنسان، أن الممارسات الميدانية لقوات الدعم السريع تجاوزت التوصيف العسكري لتشكل أركاناً قانونية كاملة لـ”الإرهاب” وجرائم “الإبادة الجماعية”. وسلط التقرير الضوء على: الاستهداف المنهجي للمدنيين عبر الإعدامات الميدانية، واستخدام سلاح الاغتصاب والاسترقاق الجنسي ضد النساء، واستهداف ذوي الإعاقة، كما جرى في مجازر الفاشر والجنينة بدارفور. إلى جانب، تدمير البنية التحتية من خلال القصف المتعمد للمستشفيات ومخيمات النازحين وشبكات المياه والكهرباء والقطاع الزراعي، بهدف تهجير السكان قسرياً، مع مأسسة الانتهاكات عبر إعادة قادة متورطين في فظائع دارفور إلى الخدمة الميدانية بقرار من القيادة العليا، ما يثبت تبني الإرهاب كأداة سياسية وعسكرية.
وحذّر التقرير من تحول خطير يهدد بتفكيك ثالث أكبر دولة في أفريقيا، عقب تدشين قوات الدعم السريع لـ”هياكل حكم موازية” في إقليم دارفور، تشمل مجالس أمن ودفاع ومؤسسات مصرفية وعملة خاصة. ونبهت “فورين بوليسي” إلى أن هذا السيناريو يهدد بنشوء ملاذ إرهابي آمن يعصف بأمن البحر الأحمر والتوازن الإقليمي برمته.
وفي المقابل، رصد التقرير توافقاً دولياً وإقليمياً، يضم المجموعة الخماسية ومصر والسعودية وتركيا، على ضرورة الحفاظ على القوات المسلحة السودانية باعتبارها “المؤسسة الدستورية” الشرعية الوحيدة الضامنة لمنع انهيار الدولة الكامل. وطالبت المجلة بتفعيل ملاحقة وتجميد أصول الشبكات المالية ومروجي الذهب وموردي الأسلحة الذين يسهلون استمرار الحرب، والذين يتخذون من دولة الإمارات العربية المتحدة مركزاً أساسياً لأنشطتهم.
وأوضح التقرير أن إدراج القوات في قوائم الإرهاب سيسحب الشرعية السياسية عن إدارتها الموازية، وينهي “المساواة المُجحفة” بين ميليشيا متمردة والجيش النظامي، بما يمنح الأخير الضمانات الكافية للانخراط في مفاوضات جادة تقود إلى الانتقال المدني.
وفنّد التقرير المخاوف بشأن تأثر تدفق المساعدات الإنسانية، في ظل اقتراب أعداد النازحين واللاجئين من حاجز الـ14 مليون شخص، مُستشهداً بنموذج العقوبات الأمريكية ضد الحوثيين في اليمن. وأشار إلى قدرة وزارة الخزانة الأمريكية على إصدار “رخص عامة واستثناءات” صارمة تحمي عمل المنظمات الإغاثية، وتضمن تدفق الغذاء والدواء، مع استثناء خدمات الاتصالات الحيوية للمدنيين مثل محطات (Starlink).
واختتمت “فورين بوليسي” تقريرها بالتأكيد على أن تصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية ليس مجرد خطوة رمزية، بل أداة ضغط قانونية واقتصادية واجبة النفاذ، وأن إخفاق المجتمع الدولي في وضع “خط أحمر” أخلاقي لن يقود إلا إلى تسريع تمزيق السودان وتعميق الكارثة الإنسانية.
هياكل
ويرى الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي د. عمار العركي أن التقرير الذي نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية يكتسب أهمية خاصة، ليس فقط لمضمون ما طرحه بشأن الحرب، وإنما أيضاً لمكانة المجلة نفسها باعتبارها واحدة من المنصات الفكرية والإعلامية المؤثرة في واشنطن، والتي تحظى بمتابعة واسعة داخل دوائر السياسة الخارجية والأمن القومي الأمريكية.

ويضيف العركي أن دعوة المجلة إلى تصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية تُعد مؤشراً على تنامي اتجاه داخل بعض مراكز التفكير الغربية، خاصة في بعض الدوائر الأمريكية المؤثرة، لإعادة النظر في المقاربة التي تساوي بين الدعم السريع والقوات المسلحة، ووصفهما بـ(طرفي النزاع) أو اعتبار ما يجري مجرد صراع بين جنرالين.
وأضاف محدّثي أن التقرير يستند إلى حجم الانتهاكات الموثقة ضد المدنيين، ويربط بين ممارسات الدعم السريع ومخاطر تفكيك الدولة السودانية عبر إنشاء هياكل حكم موازية في دارفور.
وتابع بأنه رغم أن الانتقال من دعوة بحثية أو إعلامية إلى قرار رسمي أمريكي يظل رهيناً بحسابات سياسية وقانونية معقدة، فإن صدور مثل هذا الطرح من منصة مؤثرة مثل “فورين بوليسي” يعكس تحولاً ملحوظاً في التعاطي مع المشهد السوداني، ويشير إلى أن الضغوط السياسية والقانونية على قوات الدعم السريع قد تتجه إلى مرحلة أكثر جدية خلال الفترة المقبلة.
العملية السياسية
وعلّق أيضاً الكاتب الصحفي والمحلل السياسي د. إبراهيم شقلاوي بأن تقرير “فورين بوليسي” يلفت الانتباه ليس فقط إلى دعوته لتصنيف مليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية، وإنما إلى التحول داخل بعض دوائر التفكير الغربية من مقاربة الحرب السودانية بوصفها صراعاً بين طرفين متكافئين، كما ظلت توصف، إلى النظر إليها باعتبارها مواجهة بين الدولة السودانية وقوة متمردة تعمل على بناء سلطة موازية خارج الإطار الدستوري.
ويرى د. إبراهيم أن ذلك يمثل تطوراً مهماً، لأنه يعكس مراجعة متأخرة لسياسة الحياد الدولي التي سادت منذ اندلاع الحرب، والتي ظللنا نتحدث عن خطورتها ودورها في تعقيد الحرب وإطالة أمدها.
وأضاف شقلاوي أنه من الناحية السياسية، فإن أي تصنيف أمريكي محتمل لن يكون مجرد إجراء قانوني، بل سيحمل آثاراً استراتيجية على مسار الحرب والتفاوض المتوقع، فهو سيضيق الخناق على شبكات التمويل والتسليح، ويصعّب عملية منح الشرعية لأي ترتيبات سياسية أو إدارية تنشئها المليشيا في مناطق سيطرتها، كما سيعيد تعريف طبيعة الصراع أمام المجتمع الدولي باعتباره قضية تتعلق بحماية الدولة السودانية ووحدتها.
وأوضح شقلاوي أنه ينبغي التعامل مع التقرير باعتباره تعبيراً عن اتجاه داخل بعض مراكز الفكر الغربية، وليس إعلاناً رسمياً عن سياسة أمريكية نهائية. فالقرار يظل رهيناً بحسابات معقدة تتداخل فيها الأطماع والمصالح الإقليمية والدولية والاعتبارات الإنسانية ومستقبل العملية السياسية في السودان.
الأهم حسب شقلاوي، أن التقرير يعكس حقيقة بات من الصعب تجاهلها، وهي أن استمرار الحرب لم يعد يهدد فقط بإطالة الأزمة الإنسانية، بل يطرح لأول مرة سؤال بقاء الدولة السودانية. لذلك فإن جوهر النقاش لم يعد متعلقاً فقط بكيفية وقف الحرب، وإنما بكيفية منع تفكّك الدولة ومنع نشوء سلطات موازية قد تقود البلاد إلى انقسام فعلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top