بقنوات مباشرة لقادة المليشيا عبر كينيا ودولة الجنوب
ذهب السودان«المُهرب».. أرقام صادمة
تهريب “4” أطنان ذهب خلال العام 2025.. تتبّع
نقل كميات صغيرة ومتوسطة.. شبكات موازية
المليشيا لا تعتمد على السلاح والمرتزقة.. اقتصاد موازي
ضلوع شركات خاصة في نيروبي ..تورّط الرئيس الكيني
تقرير: محمد جمال قندول
تتواصل قصص الخراب التي ترتكبها المليشيا المتمرّدة، وهذه المرة في فصل جديد من فصولها، إذ يهرب التمرّد الذهب من دارفور عبر مساري كينيا وجنوب السودان، وهو ما يشكل رئةً للتنفس واستمراراً للتمرد، في ظل تواطؤ بعض الدول مع مجموعات آل دقلو الإرهابية لمواصلة مخططها، ولكن كل ذلك سيصطدم بقوة الدولة السودانية وقواتها المسلحة وأجهزتها النظامية.
الذهب المهرّب
وتُشير المعلومات الموثقة والمؤكدة إلى أن الكميات الأكبر من الذهب السوداني المهرب تجد طريقها إلى كينيا عبر القنوات المباشرة لقادة المليشيا المتمردة، وتحديداً عبر “آل دقلو” (حميدتي، عبد الرحيم، والقوني حمدان). وتشير التقديرات إلى أن ذروة هذا التدفق بلغت نحو 4 أطنان من الذهب خلال عام 2025 وحده.
وتكمن المفاجأة الصادمة في هذا المسار في الرعاية المباشرة؛ إذ تشير المعطيات إلى إشراف الرئيس الكيني شخصياً على هذه الشحنات، واشتراطه أن يتم شراء الذهب القادم من المليشيا عبر قنواته، ليُعاد تصديره لاحقاً إما عبر شركاته الخاصة أو عبر شركات حكومية كينية تقع تحت نفوذه.
إلى جانب هذا المسار الضخم، تنشط شبكات تهريب موازية لنقل كميات صغيرة ومتوسطة عبر الجارة دولة جنوب السودان، وتتوزع هذه العمليات على مسارين رئيسيين: أحدهما غطاء استثماري عبر (شركة Karebe Gold Mining): وهي شركة تعدين كينية يمتلك الرئيس الكيني غالبية أسهمها، وتتولى الإشراف على تجميع وتمرير كميات الذهب المهربة عبر الحدود الجنوبية، والأخر غطاء مصرفي (البنك التجاري الكيني KCB): يستغل المهربون فرع هذا البنك (الذي تملك الحكومة الكينية أغلبية أسهمه) في دولة جنوب السودان، لتسهيل العمليات المالية وإدخال الذهب جسدياً إلى كينيا، تمهيداً لغسله وضخه في الأسواق الدولية، وتحديداً في دولة الإمارات العربية المتحدة التي تشكل المحطة النهائية لهذه الشحنات.
إن تحول كينيا إلى “ممر آمن” لذهب المليشيا يضع الأسرة الدولية أمام استحقاق أخلاقي وقانوني؛ فالأمر يتجاوز حدود التجارة غير المشروعة إلى شبهة التواطؤ المباشر في تمويل حرب إبادة.
شريان حياة
وبحسب مراقبين ما دامت نوافذ التهريب هذه مشرعة، فإن شريان الحياة المالي للمليشيا سيظل متدفقاً، مما يطيل أمد معاناة الشعب السوداني ويجعل من شعارات السلم الإقليمي التي ترفعها نيروبي مجرد حبر على ورق.
السلاح والمرتزقة
يقول الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي عمار العركي إنّ المليشيا المتمردة لم تعد تعتمد فقط على السلاح والمرتزقة، وإنما على اقتصاد موازٍ يقوم على نهب الموارد الوطنية وتحويلها إلى وقود يطيل أمد الصراع ويضاعف معاناة المدنيين، وهذا الاتجاه كان سابق للحرب بحيث استطاع قائد المليشيا واخوانه من بناء علاقات اقتصادية وابرام صفقات من دول وجهات خارجية .
وفي هذا الإطار، وفي ظل الحرب، حسب العركي، كانت الشبكات المنظمة الممتدة من مناطق التعدين داخل السودان إلى ممرات إقليمية ومؤسسات مالية وتجارية خارج الحدود بمساعدة وتسهيل من جهات رسمية أو نافذة في تسهيل هذه العمليات، مما يجعل الأمر يرقى إلى مستوى المشاركة غير المباشرة في تغذية الحرب وتمددها عبر توفير شريان مالي يسمح للمليشيا بمواصلة عملياتها العسكرية رغم الضربات التي تتلقاها على الأرض.
وفي ذلك تأكيد على أن الحرب لا تُدار فقط في ميادين القتال، بل أيضاً عبر شبكات التمويل والتهريب والدعم اللوجستي، وأن المعركة الحقيقية لا تتعلق باستعادة المدن فحسب، وإنما بتجفيف منابع التمويل التي تستند إليها المليشيا في استمرار تمردها.
كما تضع هذه الحقائق وفق العركي، المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي، فمكافحة تمويل الحروب والتزاعات ووالبحث عن سبل السلام لا يمكن أن تظل شعارات تُرفع في المؤتمرات، فكل غرام من الذهب المهرب لا يمثل خسارة اقتصادية للسودان فقط، بل قد يتحول إلى رصاصة جديدة تطيل أمد الحرب وتزيد من فاتورة الدم السوداني.
وختم محدّثي قائلاً: هذا الوضع يستدعي ضرورة تحرك دبلوماسي وقانوني أكثر فاعلية لتتبع مسارات الذهب المنهوب وكشف الشبكات المتورطة فيه، لأن حماية الموارد الوطنية جزء لا يتجزأ من معركة وجود وحماية الدولة نفسها، ولأن تجفيف منابع التمويل في بعض الأحيان أكثر حسماً من الانتصارات العسكرية في الميدان.






