على كلٍ
محمدعبدالقادر
قرار بنك السودان… ازدواجية وإرباك وارتباك.
أصدر بنك السودان المركزي أمس قراراً أثار كثيراً من الجدل يقضي بإيداع (200 كيلو) من الذهب عيار (21) لدى مصفاة السودان للذهب، كضمان لإصدار شهادة عدم ممانعة لأي شركة ترغب في استيراد المشتقات البترولية.
أول ما يمكن أن يُقرأ من هذا التطوّر وجود ازدواجية فى مركز اتخاذ القرار، إذ أن هذا الاشتراط ياتي بعد أيام من جلسة لمجلس الوزراء بقيادة الدكتور كامل إدريس أقرت دخول الحكومة في استيراد المشتقات النفطية، هذه الازدواجية تجعل ما خرج به مجلس الوزراء حبراً على ورق، وسيتضرّر منها المواطن والحكومة على حد سواء، لأنها تشير إلى اضطراب فى مركز تفكير الدولة التى تتعدّد فيها مراكز اتخاذ القرار حول السياسات والإجراءات الاقتصادية المصيرية فى ملف بالغ الحساسية والتعقيد.
كيف تقرّر الحكومة على مستوى رئاسة مجلس الوزراء الدخول في شراء المشتقات النفطية، ثم يأتي البنك المركزي ذراع ذات الحكومة لتنفيذ سياساتها الاقتصادية ، ويحدّد إطاراً إجرائياً يمنح الشركات حق الاستيراد من جديد..؟!!..
ربما يقول قائل إن الحكومة لم تسحب في قرارها من الشركات الخاصة حق الاستيراد، وفي هذه الحالة سنتساءل: هل كانت الحكومة في حاجة لإعلان قرار دخولها في استيراد المشتقات النفطية ؟، ألم تكن الإجراءات المتبعة تكفل لها بالأساس استيراد نسبة 50% من المشتقات النفطية.. هل وقفت عزيزي القارئ على مستوى التخبّط والارتباك والازدواجية فى القرارات المتعلقة باستيراد الوقود؟!!.
نعود إلى “إجراء بنك السودان” الغريب والذى ينسخ قرار مجلس الوزراء ويؤكد أن الحكومة مفلسة، ولن تستطيع دفع فاتورة استيراد النفط ، لذا فإنها ابتلعت قرارها وأقبلت مرة أخرى على الشركات الخاصة ولكن بشروط جديدة من شأنها أن تكرّس أمر الاستيراد على شركات محدودة لا أظنها ستتجاوز أصابع اليد الواحدة وتملك القدرة وحدها على تنفيذ اشتراطات بنك السودان وهذه ميزة إيجابية يمكن أن تحارب الفوضى ومجموعات الشنط الصغيرة كما وصفها صديقي الصحفي الهمام طارق شريف…
ولكن من الناحية العملية، كيف سيحدّد البنك المركزي ضمان إعادة كمية الذهب التي سيضعها المستوردون كشرط لاستيراد المشتقات النفطية..
ثم ألا يشكل هذا الشرط خطراً على العملة الحرة فى حال تسابق الشركات على الإيفاء بشرط البنك المركزي علماً بأن قيمة الذهب المطلوب تصل الى “27” مليون دولار…؟!..الأنباء المتداولة تشير إلى حدوث هجمة على الدرهم لشراء الذهب بمجرّد صدور قرار بنك السودان..
ثم لابد لنا أن نتساءل باعتبار أن سعر الذهب تحدّده البورصة، ونفترض أنه في حال هبوط سعره لحظة وضعه بواسطة المستثمر كشرط لدى بنك السودان فمن يتحمّل مسؤولية الخسارة التي قد تترتّب على هذا الاحتمال…
ثم أن هنالك مخاوف من بروز سوق لإيجار ذهب الضمان بفوائد بإمكانها أن تفرغ هذا القرار من محتواه الذي هدف في المقام الأول لمحاربة فوضى المتقدّمين لاستيراد النفط من تجار الشنطة وأصحاب السمسرة والكوميشنات والأعمال الصغيرة…
ثم إن توقيت القرار لم يكن موفقاً، وكان على المركزي أن يتروّى وأزمة النفط العالمية تتّجه للانفراج بعد الاتفاق التاريخي بين ايران والولايات المتحدة الامريكية، إذ أن الحرب كانت سبباً مباشراً في نشوء وتفاقم أزمة الوقود ابتداءًا..
غير أن أخطر تجليّات هذا التطوّر في تقديري هي الازدواجية وتعدّد مراكز اتخاذ القرار والإرتباك البائن في إجراءات الدولة الاقتصادية..






