د.عبد اللطيف البوني يكتب: «مكتول هواك»

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

«مكتول هواك»

(1)
تابع السودانيون حرب الجنوب من بواكير ظهورها عام ١٩٥٥م، كحرب بين الدولة ومتمرّدين عليها… والذين استشهدوا من القوات المسلحة لم يقتلهم المواطن الجنوبي إنما المتمرّد الجنوبي ..ثم جاء جون قرنق ووسّع الشغلانة أفقياً وراسياً أي فكراً ومساحة فكان رد الفعل الإنقاذي الذي أضاف لها بعداً دينياً جهادياً، أما الكنيسة فأصلاً كانت موجودة .. لقد تحولت الحرب في شكلها المؤسسي …لتدخل كل البيوت مما سهّل عملية الانفصال ..نفس السيناريو يتكرّر اليوم في غرب السودان ..بدأت في دارفور ٢٠٠٣ بتمرّد محدود… فطوّرت الحكومة ساعتها قوات حرس الحدود التي كانت قوات المراحيل… فحدثت فظائع الجنجويد المروّعة …وأصبحت حرب دارفورية/دارفورية بامتياز.. ولكن الحكومة وقتها رجّحت كفة الجنجويد …
(السواطة) التي أحدثتها الحكومة في دارفور نقلتها إلى الخرطوم … فكانت حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣م ..وهذه (ورتنا جديد ما كان على بال) العاصمة ذات السبعة ملايين …والجزيرة ذات الستة ملايين … ثم ولاية سنار وجزء من ولاية النيل الأزرق وجزء من ولاية النيل الأبيض وجزء من ولاية نهر النيل …يعني ثلثي سكان السودان رأوا الحرب رؤية العين وعاشوا كل ويلاتها.. قتلاً وسحلاً ونهباً واغتصاباً وتشريداً..
(2)
دعونا نكون صريحين من رأى ليس كمن سمع… فما كنا سنصدق ما حدث في دارفور عام ٢٠٠٣م لولا إننا عشناه بأنفسنا بعد ١٥ أبريل ٢٠٢٣م..لذلك تعاطفنا بكل ما نملك من مشاعر مع سكان الجنينة أيام حصارهم والفتك بهم …وسكان الفاشر أيام حصارهم والفتك بهم.. والآن نعيش ذات الوجع مع أهلنا في كردفان عامة وما يجري في دار الريح وما تحدثه المُسيّرات في الأبيض …ولو أعلنت الحكومة التعبئة العامة … لوجدت استجابة منقطعة النظير من كل الذين تعرّضوا للعدوان مباشرة… وفي كافة أنحاء السودان ..فالذين وطأوا الجمرة مباشرة يعرفون مدى الألم الذي تحدثه أكثر من الذين شاهدوا العملية في الآخرين… فالجمرة بتحرق الواطيها مباشرة …وليس المتفرّج مهما كان قربه ومهما كانت درجة تعاطفه ..ومن وطي الجمرة يعرف جيداً مدى الألم الذي يحس به واطيها بعده …ياربي قدرت أوصل الفكرة ولا لسه ؟ فإذا وصلت الفكرة يبقى التحدي كيف نستفيد من هذا المعطى الجديد ؟ وكيف نحول الألم إلى فرصة ؟
(3)
كردفان هي سرة السودان وإن شئت قل صرة …فخطأ شايع خير من صحيح مهجور ..وهي واسطة عقده وهي البوتقة التي يمكن أن ينصهِر فيها السودان …كردفان هي ولاية السودان الوحيدة الخالية من التمييز العنصري … فكل عناصر السودان البشرية موجودة فيها ومتدامجة لحد بعيد … الأغنية الشعبية الكردفانية توضح ذلك إذ غنت للون الأسود واللون الفاتح (أظن السودان مافيهو لون أبيض) إذ تجد فيها (فريفير دهابه/فارش عمه يقرأ في كتابه/أكان ما اخدت قولوا لي كضابه/هوي ما بدور براه) غنت لاندريا (أكان ما الصبر تكليف من بيتكم ما بنقيف) و(لو ما كلام الناس برحل معاك خماش) وبالمناسبة أغنية مكتول هواك يا كردفان شاعرها ليس من أهل كردفان بل من ضواحي بحري وهو الأستاذ عبد الجبار عبد الرحمن محمد الشيخ …أسَرته كردفان بجمالها (أسير غزال فوق القويز/كلام غزل معسول لذيذ/ودمعات عتاب من زولاً عزيز/سالت بحر شال القليب في كردفان) …
إن الذي يجري الآن في كردفان هو استهداف ديمغرافي من الدرجة الأولى …إنه تكسير لهذه البوتقة السودانية وبعدها سيسهل انفصال دارفور…. أو الإبقاء عليها خميرة عكننة.. ريثما يتنزّل المخطّط كاملاً وهو تقطيع السودان حتة حتة… أو محوه من الخريطة نهائياً إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا …
المطلوب من كل القوى الفاعلة في الدولة والمجتمع أن تستشعر الخطر الذي يحدث في كردفان حالياً ….المطلوب استنهاض الهمة السودانية لحماية كردفان…. المطلوب حملة توعية كاملة لا تستثني أحدا.. بما فيهم الذين يحملون السلاح ويقومون بعملية العدوان وفيهم عدد مقدّر من أبناء كردفان ذات نفسيها ..هؤلاء الأخيرين عليهم أن يعوا أنهم يقومون بعمل وظيفي نهايته قطع واسطة عقد السودان ….فيا دولة ويا مجتمع كردفان الآن أو بعدين مافي سودان ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top