أنباء عن تفاهمات بين الخرطوم والرياض
«الجنيه».. وديعة إنعاشية
تمويل لاستيراد المشتقات النفطية.. “أرامكو” على الخط
الوقود من أخطر مفاصل الاختلال الاقتصادي ..تدخّلات
بناء شراكات استراتيجية..تحدّي إدارة الفرص
تقرير: محمد جمال قندول
تداولت مواقع إخبارية أنباء أمس عن وديعة مليارية سعودية في طريقها للبلاد.
وكشفت مواقع صحفية، نقلاً عن مصادر، وجود تفاهمات بين الخرطوم والرياض تتضمّن شقين، الأول وديعة دولارية تودع لدى البنك المركزي، وكذلك تمويل سعودي لاستيراد المشتقات عبر شركة أرامكو.
وتأتي هذه التطورات عقب تدهور الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، الأمر الذي زاد من معاناة الناس خلال الأيام الماضية.
علاقات متميّزة
وتشهد العلاقات السودانية السعودية تطوراً متسارعاً، ويبرز ذلك عبر الدور الكبير للمملكة في أزمة البلاد، إذ ظلت الرياض تؤكد دعمها للمؤسسات الشرعية بالبلاد، فضلاً عن دعمها الكبير في أكثر من اتجاه منذ اندلاع حرب الكرامة في الخامس عشر من أبريل، إثر شن مليشيات الدعم السريع حرباً ضد الدولة السودانية.
وظلت مواقف المملكة قوية وواضحة في دعم الحكومة الشرعية، كما تبذل جهوداً كبيرة ضمن الرباعية لوضع حد للحرب في السودان.
تطور مهم
واعتبر الخبير والمحلل الاقتصادي د. أسامة محمد عبد الرحيم بأنه، حال صحت المعلومات المتداولة بشأن التفاهمات الجارية بين السودان والمملكة العربية السعودية حول تقديم وديعة دولارية كبيرة لبنك السودان المركزي، إلى جانب تمويل استيراد المشتقات البترولية عبر شركة أرامكو، فإن ذلك يرسم تطوراً اقتصادياً وسياسياً بالغ الأهمية، يتجاوز مجرد الدعم المالي المباشر إلى ما يمكن اعتباره مؤشراً على بداية مرحلة جديدة في طبيعة العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
وأضاف د. أسامة لـ(الكرامة) أنه من الناحية الاقتصادية، يعاني السودان منذ سنوات من اختلالات هيكلية عميقة في سوق النقد الأجنبي، وتدهور مستمر في قيمة العملة الوطنية نتيجة عوامل مركبة تشمل الحرب، وتراجع الصادرات، وضعف الاحتياطي النقدي، واضطراب سلاسل الإمداد، واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي للعملات الأجنبية.
وفي مثل هذه الظروف، فإن أي وديعة دولارية بهذا الحجم يمكن أن تمنح بنك السودان المركزي مساحة مهمة للتدخل في السوق، ورفع قدرته على إدارة السياسة النقدية بصورة أكثر فاعلية، بما يسهم في الحد من المضاربات وكبح التدهور المتسارع في سعر الصرف.
إنتاج
وشهدت الأيام الماضية تفاقم الأوضاع الاقتصادية إثر تراجع قيمة الجنيه السوداني بشكل مخيف، الأمر الذي زاد معاناة السودانيين.
اهتمام خاص
ويولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اهتماماً خاصاً لملف السودان، وليس ببعيد تطرقه لأزمة الحرب خلال زيارته الشهيرة لواشنطن في خواتيم نوفمبر الماضي.
ويعود الخبير الاقتصادي د. أسامة للتعليق على معرض الطرح، ويقول إن الشق المتعلق بتمويل المشتقات البترولية عبر أرامكو لا يقل أهمية عن الوديعة نفسها، لأن أزمة الوقود ظلت تمثل أحد أخطر مفاصل الاختلال الاقتصادي في السودان، نظراً لارتباطها المباشر بقطاعات النقل، والإنتاج، والزراعة، والصناعة، والكهرباء، والخدمات الأساسية. وبالتالي، فإن تأمين الإمداد البترولي عبر ترتيبات مستقرة ومضمونة يمكن أن يخفف كثيراً من الضغوط الواقعة على الدولة وعلى حياة المواطنين اليومية.
وبحسب عبد الرحيم، فإن الأهمية الأعمق لهذا التطور لا تكمن فقط في أثره الاقتصادي المباشر، وإنما أيضاً في الرسائل السياسية والاستراتيجية التي يحملها.
وتابع محدّثي بالقول إنه حين تقرر دولة بحجم وتأثير المملكة العربية السعودية الدخول بهذا المستوى من الدعم في توقيت بالغ الحساسية يمر به السودان، فإن ذلك يعكس قدراً مهماً من الثقة السياسية في الدولة السودانية، وفي قدرتها على تجاوز هذه المرحلة، كما يكشف عن إدراك سعودي متزايد بأن استقرار السودان ليس مسألة داخلية سودانية فقط، وإنما جزء من معادلة الأمن الإقليمي للبحر الأحمر والمنطقة بأسرها.
ويشير د. أسامة إلى أن البلاد إذا أحسنت إدارة مثل هذه الفرص، فإن الأمر ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد دعم إسعافي مؤقت، بل كبداية لإعادة بناء شراكات استراتيجية طويلة المدى تقوم على المصالح المتبادلة، خاصة في مجالات الطاقة، والموانئ، والزراعة، والأمن الغذائي، والخدمات اللوجستية المرتبطة بموقع السودان الجيوسياسي الحيوي.
ولكن الخبير الاقتصادي د. أسامة عبد الرحيم يرى أن التحدي الحقيقي دائماً ليس في الحصول على الدعم الخارجي وحده، وإنما في قدرة الدولة على إدارة هذا الدعم بكفاءة، وتوجيهه نحو استعادة الاستقرار الاقتصادي الحقيقي، لأن التجارب أثبتت أن الأموال وحدها لا تنقذ الاقتصادات ما لم تُصاحبها سياسات رشيدة، وانضباط مالي، وإصلاحات مؤسسية تمنع إعادة إنتاج الأزمة مرة أخرى.






