تدشين الباخرة “أركويت” ضربة البداية
“سودان لاين” .. إبحار جديد
عودة الناقل الوطني..كسر الاحتكار الدولي
مراقبون: الخطوط البحرية عانت من الإهمال لعقود
الناير : البواخر الوطنية توفر للحكومة مليار دولار في العام
فتحي :الخطوة ستضيف قيمة اقتصادية كبيرة
تقرير: هبة محمود
ما بين الباخرة النيل الأبيض وأركويت سنوات من الغياب الطويل للناقل البحري السوداني، وتفاصيل كثيرة من الإهمال الممرحل انتهت ببيع آخر السفن وهي الباخرة النيل الأبيض، قبل أن تقرّر الحكومة السودانية اقتناء الباخرة أركويت، عبر توأمة متميزة كأولى بواخر الأسطول الجديد وذلك إحياء للناقل الوطني البحري.
فعقب سنوات من التوقف وفي خطوة تهدف إلى كسر احتكار النقل الدولي، قرّرت الحكومة السودانية احياء ناقلها البحري وذلك عبر توقيع مذكرة توأمة بين هيئة الموانئ البحرية وشركة الخطوط البحرية السودانية “سودان لاين” بمدينة بورتسودان أمس الأول.
وأعلن وزير الدولة بوزارة المالية ورئيس مجلس إدارة الخطوط البحرية السودانية، محمد نور عبد الدائم، عودة الشركة رسمياً إلى الخدمة عبر اقتناء الباخرة “أركويت” التي جاءت تسميتها تيمناً بأول باخرة امتلكها السودان في العام 1962.
وفيما تهدف الخطوة إلى تعزيز الأمن الاقتصادي وتقليل الاعتماد على شركات النقل الأجنبية، يصف خبراء اقتصاديون الخطوة بالممتازة، لكونها تعيد للخطوط البحرية السودانية وجودها في الساحة، بعد فترة من الغياب.
وبحسب وزير الدولة بوزارة المالية فإن الخطوة تعد إنجازا يمثل نصرًا كبيراً للشعب السوداني، موضحًا أن الهدف الاستراتيجي للمرحلة المقبلة يتمثل في بناء أسطول وطني يضم “60” باخرة.
إعادة إحياء
وينظر مراقبون إلى أن الخطوط البحرية السودانية ظلت على مدار سنوات تواجه حالة من الإهمال، ماجعل النقل البحري في حالة احتكار نتج عنها الكثير من التعقيدات في أولها إرتفاع تكلفة النقل البحري.
وتأتي هذه الشراكة لكي تعيد إحياء شركة “سودان لاين” التي كانت تمتلك مجموعة من البواخر تم بيعها خلال 23 عاماً، والتي كان آخرها الباخرة النيل الأبيض التي بيعت كخردة بحسب عاملين سابقين بالشركة.
لكن وبعد هذه الفترة الطويلة من الإهمال والتوقف الممرحل تقف الحكومة السودانية على إستعادة الناقل الوطني من خلال الباخرة أركويت التي تمثل ضربة البداية.
فقد أكد وزير النقل أن استعادة الناقل البحري الوطني تمثل خطوة محورية ضمن جهود إعادة بناء الاقتصاد السوداني، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى ستبدأ بتشغيل السفينة الأولى، على أن تتبعها مراحل توسع متدرجة تشمل إضافة المزيد من البواخر إلى الأسطول.
كما إعتبر من جهته مدير الخطوط البحرية السودانية، عمر الخليفة أن ما حدث يهدف إلى إعادة بناء الأسطول البحري الوطني وتفعيل مفهوم الإقتصاد الأزرق، خاصة في ظل الارتفاع المتزايد لتكاليف النقل البحري العالمية والتحديات التي تواجه حركة الملاحة الدولية.
ركيزة إقتصادية هامة
وينظر من جانبه الخبير الاقتصادي د. هيثم فتحي إلى أن عودة الناقل البحري للصناعات سيضيف مزيداً من القيمة الاقتصادية ويعزّز الجهود الوطنية لإرساء قواعد صناعة قديمة لكن الآن تعتبر جديدة، فضلاً عن دعم المحتوى الوطني، ورفد الاقتصاد السوداني بمورد جديد، وتوفير الآلاف من فرص العمل الجديدة والمستدامة للمواطنين السودانيين .
وأكد في إفادته لـ “الكرامة” أن أهمية النقل البحري تكمن في كونه أحد ركائز التنمية الاقتصادية حيث يسهم في تحسين ميزان المدفوعات لتلك الدول ووبناء وازدهار المدن التي تقع على البحار من خلال بناء المشاريع البحرية كالموانئ وأحواض بناء السفن والشركات الملاحية والمصانع وغيرها، مؤكدا أن هذه المميزات تزداد بازدياد الاعتماد على النقل البحري.
وشدّد في السياق على ضرورة تطوير بنية صناعة النقل البحري وجعلها أكثر تنافسية للاستثمار الوطني، وذلك للإسهام في تحقيق مزيدٍ من النمو والتنوع الاقتصادي للسودان، وتوطين التقنية في قطاع الصناعات البحرية.
وقال إنه يتوجب على الحكومة ان تعمل على إقامة مشاريع تساعد في نمو وتطوير منظومة سلاسل الإمداد،
لكن وعلى الرغم من تلك المكاسب الا ان د.هيثم يرى أن القطاع ما زال يواجه عدداً من التحديات أبرزها الحاجة إلى توسعة الطاقة الاستيعابية للموانئ البحرية في السودان وتحديث معداتها لخفض تكاليف التشغيل وتقليص أوقات تحويل السفن، ورفع كفاءة شبكات الربط البري والسككي بالموانئ، إلى جانب تحسين إجراءات التخليص الجمركي البحري.
واعتبر أن امتلاك السودان لأسطول نقل بحري ضرورةً اقتصادية واستراتيجية لضمان قدرة السودان على المنافسة عالمياً، لا سيما في ظل المنافسة الإقليمية والعالمية المحمومة في قطاع الملاحة والموانئ.
ما يُكرّس أهمية بناء منظومة نقل بحري أكثر كفاءةً واستدامةً وقدرةً على دعم النمو الاقتصادي وتحقيق مستهدفات التنمية الوطنية.
خفض تكاليف الصيانة
وكانت شركة الخطوط البحرية السودانية سودان لاين خضعت للتصفية في العام 2017 م ،خلال عهد النظام السابق، وهو العام ذاته الذي شهد بيع الباخرة النيل الأبيض وفق ما نقلت تقارير.
ومن بين أبرز الأسباب التي قادت إلى التصفية وقتها الكشف عن تجاوزات قانونية ومالية واتهامات بالفساد داخل الشركة.
وأوضح مدير هيئة الموانئ البحرية، المهندس جيلاني محمد جيلاني، أن الاتفاقية تعتمد نموذج التشغيل المشترك، حيث تتولى الهيئة الجوانب الفنية واللوجستية، بينما تضطلع “سودان لاين” بإدارة العمليات التجارية، بما يسهم في رفع كفاءة التشغيل وخفض تكاليف الصيانة والمناولة.
وأشار إلى أن هذه الصيغة ستسهم في خفض تكاليف الصيانة والمناولة بنسبة تصل إلى 40%، معلنًا أن الباخرة الثانية المخصصة لنقل الحاويات في طريقها إلى الميناء لتلبية احتياجات قطاعات الحاويات والركاب والنفط والمواشي.
استعادة رمز السيادة
وينظر الخبير الاقتصادي ابراهيم شقلاوي إلى أن عودة الخطوط البحرية السودانية إلى الخدمة عبر الباخرة “أركويت” تمثل حدثاً يحمل أبعاداً تاريخية ووطنية مهمة. مؤكدا أن اختيار اسم “أركويت” يعيد إلى الأذهان أول سفينة امتلكها السودان عام 1962، بينما تأتي العودة بعد سنوات من التصفية المتعجلة للخطوط البحرية “سودان لاين” وبيع أصولها على مراحل حتى اختفاء الناقل الوطني من الساحة البحرية.
وقال لـ” الكرامة أنه يمكن النظر إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة لاستعادة أحد رموز السيادة الاقتصادية الوطنية وإحياء دور مهم ظل حاضراً في الذاكرة السودانية لعقود طويلة.
فيما اعتبر أن خطوة العودة من الناحية الاقتصادية والتنموية، تكتسب أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه البلاد و التجارة العالمية وارتفاع تكاليف الشحن البحري، مشيراً إلى أن وجود ناقل وطني يتيح للسودان قدراً أكبر من التحكم في حركة صادراته ووارداته، ويسهم في تأمين السلع الاستراتيجية وخفض تكاليف النقل ودعم جهود إعادة الإعمار.
ونوه إلى أن المشروع يرتبط بتفعيل الاقتصاد البحري والاستفادة من الموارد البحرية والموانئ السودانية بما يعزز تدفقات النقد الأجنبي ويرفع كفاءة التجارة الخارجية ويحد من الاعتماد على الشركات الأجنبية.
ولفت إلى أنه على المستوى السياسي الاستراتيجي، فإن نجاح المشروع يتوقف على قدرته على تجاوز أخطاء الماضي وبناء نموذج قائم على الحوكمة والكفاءة والاستدامة، منوها إلى أن التجربة السابقة أثبتت أن امتلاك السفن وحده لا يكفي ما لم يصاحبه تشغيل احترافي ورؤية اقتصادية واضحة. كما أن بناء أسطول وطني قادر على المنافسة يمكن أن يشكل إحدى أدوات الأمن الاقتصادي للدولة، خاصة في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة التي تجعل من الخدمات اللوجستية والنقل البحري عناصر مؤثرة في موازين القوة والتنمية.
عودة للبحار
وترى وزارة البنى التحتية والنقل، عودة سودان لاين إلى كونها خطوة تهدف إلى إحياء الأسطول الوطني وتفعيل الاقتصاد الأزرق، وتقليل الاعتماد على النواقل الأجنبية التي ارتفعت تكاليفها بنسبة 120% عقب أزمة مضيق هرمز مطلع العام الجاري بحسب بيان أمس الأول.
ويعتبر الخبير الاقتصادي إبراهيم شقلاوي إن عودة الناقل البحري الوطني تمثل فرصة لإعادة السودان الى محيطه الإقليمي والدولي، لكون أن السودان يقع على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية على البحر الأحمر، وهو موقع يمنحه مزايا استراتيجية استثنائية إذا ما أُحسن استثمارها.
وتابع: إذا نجحت الدولة في ربط تطوير الأسطول البحري بتحديث الموانئ وتحفيز الإنتاج الوطني وجذب الاستثمارات، فإن هذه الخطوة قد تتحول من مجرد استعادة لمؤسسة غابت عن المشهد إلى بداية مشروع وطني أوسع يعزز مكانة السودان كمركز لوجستي وتجاري محوري في المنطقة.
أميز الخطوط
بدوره يصف الخبير الاقتصادي دكتور محمد الناير الخطوة الممتازة مؤكدا أن الخطوط البحرية السودانية كانت تعتبر من أميز كانت من الخطوط على مستوى العالم، قبل ان تراجع أداؤها حتى توقفت.
واعتبر خلال حديثه لـ “الكرامة” أن الخطوط الان تعود بقوة وذلك من خلال امتلاك باخرة والحديث عن بواخر قادمة
متعبراً عدد “60” باخرة كبير جداً حسب الخطة الموضوعة.
وتابع: والأهم من ذلك أن السودان يدفع تكلفة نقل بحري سنوياً ما لايقل عن مليار دولار وهو مبلغ كبير جداً.
وأعتقد أن الخطوط ستقوم بالنقل بالقيمة العادلة وربما قيمة تفصيلية ولكن في النهاية الأرباح تعود للدولة.
واضاف: اعتقد أن الخطة إذا استمرت وازداد عدد البواخر فإن الحكومة يمكنها أن توفر في العام أكثر من مليار دولار تكلفة الترحيل وهذه خطوة يمكن أن توثر إيجابا في الاقتصاد السوداني.






