.عبد اللطيف البوني يكتب : “في انتظار جودو “

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

“في انتظار جودو ”

(1)
قلنا بالأمس إن الحرب مطلق الحرب أمر مقيت تنفر منه النفس السوية ..ولكن في نفس الوقت قدر مقدور ..ولن يعشم إنسان في عالم خال من الحروب.. فالحرب قديمة قِدم الإنسان وستظل ملازمة له إلى أن تقوم الساعة ..أما الأفكار المثالية التي تنادي وتحلم بعالم خالٍ من الحروب… فهي وإن كانت مستحيلة التحقّق إلا أنها مطلوبة… لأنها ترسم للإنسان طريقاً يسعى به للخير …عليه استنبطت البشرية من خلال مسيرتها إن للحروب إيجابيات مثل ما لها من سلبيات …عليه من حقنا نحن في السودان بعد أن دفعنا فاتورة الحرب كاملة غير منقوصة… ومازلنا ندفعها أن نبحث عن فوائدها لكي نتخلّص بها من آثارها… ونسعي لبناء وطن معافى وطن حدادي مدادي ..
(2)
توحّد الشعب مع جيشه فتم تحرير قلب السودان الجغرافي ..وعادت الدولة وعادت هيبة السلطة وكان الشعب مهيئاً لاستكمال بقية المهام ..الشعب عندما يصبح (باقي كَتلة) تكون قابليته للمجازفة وتجديد الحياة عالية …لكن فجأة توقّفت متحرّكات التحرير ..وبرزت للوجود حكومة مدنية قيل أنها تلبية لمطلب عالمي وهو وجود حكومة مدنية… ولكن مشكلتها أنها فاقدة الهوية …فهي ليست انتقالية لكي تجري انتخابات وتسلم الحكم لحكومة منتخبة.. كما أنها ليست تأسيسية لتضع البلاد في مشروع نهضوي محدّد المعالم …كما أنها ليست حكومة حرب لكي تدعم المجهود الحربي ولا صوت يعلو فوق صوت البندقية… وفي نفس الوقت ليست حكومة ثورية لكي تعمل بالشرعية الثورية ..أسمت نفسها حكومة الأمل ..والأمل ليست من المصطلحات السياسية التي يمكن ضبطها وهي كلمة رومانسية …وفي ذات الوقت خصع تكوين ذات الحكومة لمحاصصات فرضتها اتفاقية جوبا وبعض الجهويات ..أما من حيث الشخوص فلم تبرز وزيراً قدم عملاً يلفت الشعب نحوها ….
(3)
عدم اكتمال عمليات التحرير ..مع عدم وجود حكومة مدنية فاعلة ظهرت الضغوط الدولية التي تساوي بين الجيش الوطني والتمرّد .. وتريد جر البلاد إلى حالة ما قبل الحرب ..ثم الضغوط العسكرية بزيادة الإمداد اللوجستي للتمرّد… بعد تسلمه كامل دارفور… وزيادة الضغوط الاقتصادية بوقف كافة المعونات… وزيادة تهريب صادرات البلاد لدرجة أن ما يدخل الخزينة العامة من صادر الذهب أقل من ربع المنتج .. ..وزيادة الضغوط الدبلوماسية خاصة بتأليب دول الجوار …انخفاض قيمة الجنيه السوداني بمتوالية هندسية ..اعتماد الدولة على الضريبة غير المباشرة خاصة على المحروقات ..لدرجة أصبح الجازولين أغلى من البنزين في سابقة لا مثيل لها في العالم ..تراجعت معدلات الإنتاج بصورة رهيبة ..استشراء الفساد مع عدم وجود الرقابة …. سيطرة “الكارتيلات” على قرار الدولة خاصة “كارتيل” الذهب و”كارتيل” الوقود… واختفاء “الكارتيلات” المنتجة “ككارتيل” القطن والصمغ والثروة الحيوانية …بالمناسبة أين اتحاد أصحاب العمل ..كل هذا وغيره أدى إلى أن يصبح الوضع السياسي شبه مشلول فانعكس هذا على نفسيات الناس ..تراجعت الروح الوثّابة التي ظهرت بعد انتهاء الحرب في قلب السودان الجغرافي …حالة (باقي كَتلة) التي أشرنا إليها كادت أن تفرغ تماماً ..الفوائد المرتجاه من الحرب كادت أن تتلاشى ..لتصبح النتيجة ..لاسمح الله…ميتة وخراب ديار ..
ومع كل الذي تقدّم هناك بصيص أمل وهو أن يكون القائمين على البلاد ..(راقدين فوق رأي) أي لديهم خطة للانقضاض على كل النواقص أخفاها ما يقومون به في مقارعة الوضع الدولي … أو ربما يهدي الله سر النخبة السياسية فتنبذ الفرقة والشتات وتوقن بأن العالم الآخر (يضقّل) بها لتنفيذ مراميه ..فتجتمع هذة النخبة على صعيد واحد وتقول الوطن أولاً….السياسة سرها أكتر من جهرها …فدعونا نهرع الي آمالنا بالكذب ..ونسأله تعالى أن يكضب الشينة…فالذي كابدناه جرّاء العدوان يجعلنا لانشك لحظة في تغيّر الحال من حالة إلى حالة وفي رمشة عين ليس مستحيلاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top