د.عبد اللطيف البوني يكتب: الدولة والطبقة ..هذه من تلك

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

الدولة والطبقة ..هذه من تلك

(1)
الطبقة الوسطى مصطلح سياسي ظهر بعد الثورة الصناعية في أوروبا ،وهو يشير إلى تلك الفئة من الناس التي تقع بين الطبقة الارستقراطية أي طبقة الأغنياء أصحاب الأملاك وطبقة الفقراء المُعدمين.. وتسمى أيضا الطبقة البرجوازية ولما اتسعت قسمت إلى برجوازية كبرى وبرجوازية صغرى وهذة الطبقة الوسطى هي التي نقلت أوروبا من العهود المظلمة عهود الاقطاع الي العهد الحديث ..لذلك أصبح مناطاً بها نقل جميع شعوب الأرض من عهود ما قبل الحداثة إلى عهود الحداثة ..فأصبحت قوة الدولة الحديثة تقاس بقوة الطبقة الوسطى … فكلما كانت واسعة و مستقرة وراكزة كلما كانت الدولة كذلك …وكلما هزلت الطبقة الوسطى وتفرّقت كلما هزلت الدولة وأصبحت قابلة للتشظي والانقسام ،من الآخر كدة طبقة الأثرياء المُترفين لا تبني دولة …وطبقة الفقراء البائسين لا تبني دولة الطبقة الوسطى هي صمام أمان الدولة ومستودع قيمها وهي المناط بها الحفاظ على الدولة وقيادتها ..
(2)
جينات الطبقة الوسطى في السودان ظهرت في فترة الحكم التركي (١٨٢١…١٨٨٥) في شوية تجار وحرفيين ومزارعي قطن وأفندية وعساكر ومعظمهم من أصول أجنبية ونسبة لقلة عددهم قضت عليهم المهدية بسهولة ..وقامت على أنقاضهم دولة ثيوقراطية في مظهرها وقبلية في مخبرها …لذلك سهل علي الجيش الغازي ابتلاعها في ١٨٩٨م.. حيث كانت اتفاقية كرومر/بطرس غالي كدستور لدولة حديثة …ومن ثم بدأ تخلق طبقة وسطى في السودان .بعبارة أخرى الطبقة الوسطى الموجودة في سودان اليوم… نشأت إبان الاستعمار الانجليزي بعبارة ثالتة جاءت من المدارس والمشاريع الاقتصادية والمؤسسات المدنية والعسكرية التي أقامها الخواجات الإنجليز لإدارة الدولة السودانية… .وهذه الطبقة هي التي تولت الحكم بعد الانجليز فأصبح السودان مرهوناً لديها…يستقر باستقرارها ويضطرب باضطرابها ..واصبحت حالة السودان من حالتها ..
(3)
دعونا نقفز إلى يوم الناس هذا… الطبقة الوسطى اليوم في أضعف حالاتها ….إذ حتل (غِرق) معظمها إلى الطبقة الفقيرة… بينما تسلّقت قلة منها إلى الطبقة العليا ..طبقة الأثرياء …ولعل المؤسف أن القلة التي تسلّقت لم يكن تسلّقها عبر مؤسسات إنتاجية كالمصانع والمزارع بل عبر الفساد المالي والإداري أي بواسطة الأنشطة الطفيلية… .كتجارة العملة والسمسرة في العقارات والسيارات وبيع أسرار الدولة الاقتصادية والسياسية… ولو قربت أضانك شوية يمكن أن تسمع المخدرات والجنس …فطبقة أثرياء السودان لو تكونت من أنشطة إنتاجية لتضاعفت أعداد الطبقة الوسطى أضعافاً مضاعفة ..فتجد اليوم ملياردير دولاري في السودان وكل العاملين لديه لايتجاوز عددهم أصابع اليدين ..ولو تمعنت في نشاطهم سوف لوجدتهم شركاء جريمة …قد يكون أفراد أثروا ثراءًا مشروعاً من نشاط غير انتاجي كالذي عثر على منجم ذهب أو عثر (وقيعة جامدة) أو…أو …
(4)
العلاقة بين ضعف الدولة السودانية وضعف الطبقة في السودان علاقة جدلية (ديالتيكية) أي متبادلة كلاهما أثر على الآخر هذه من تلك..وقد يكون هذا متفق عليه… بيد أنني أزعم أن الضعف بدأ بالطبقة الوسطى ثم انسحب على الدولة ومن ثم أخذ ضعف الدولة يؤثر على الطبقة الوسطى وهكذا توالت العلاقة التبادلية ..وللأسف الشديد إن من يريد أن ينتاش السودان ويلحقه أمات طه.. يمكنه أن يستهدف الطبقة الوسطى فيه… فهي ضعيفة ومتشظية وسوف ينسحب هذا الضعف وذاك التشظي على السودان مالم يتداركه الله بعنايته اللهم أحفظ السودان وأهل السودان …وخليكم معانا ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top