.عبد اللطيف البوني يكتب: سعداء وأشقياء السودان

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

سعداء وأشقياء السودان

(1)
في ظني وليس كل الظن إثم إن أسعد أهل السودان هم الذين عاشوا كل حياتهم في فترة الاستعمار …أي منذ بداية القرن إلى عام ١٩٥٦م… فهؤلاء عاشوا حياة قصيرة ولكنها كانت مستقرة على المستوى المركزي ..لا يعني هذا أن الاستعمار كان حاجة كويسة أو ابن ناس أو أفعاله أفعال الخير.. .بالعكس تماما إن كلما نكابده اليوم من معاناة …خرج من رحم الإدارة الاستعمارية.الحروبات الأهلية الناجمة من التنمية غير المتوازنة ….سيطرة الطائفية ..أنانية الافندية .. الأحزاب غير القومية كلها صناعة إنجليزية في السودان …لكن الذين عاشوا كل عمرهم في فترة الاستعمار لم يشهدوا المآسي التي قبله ..ولم يكابدوا ظلم ذوي القربى والأهم لم يعو مكائد المستعمر ..والأكثر أهمية لم يعيشوا نتائج مخطّطاته الخبيثة ..والتي مازالت متواصلة حتى اليوم… فالكثير من المخطّطات الخبيثة التي يجري تنفيذها اليوم… الفاعل الخفي لها هو بريطانيا.. .وهذه قصة أخرى.
(2)
الأقل سعادة من الذين تقدّم ذكرهم من السوادنة …هم الذين عاشوا في الفترة من دخول الاستعمار إلى أكتوبر ١٩٦٤م …الفترة الحزبية الأولى إلى نهاية عهد عبود كان الاستقرار الذي صنعه الانجليز مستمراً…ولم يشبه إلا اندلاع الحرب الأهلية في جنوب السودان في أغسطس ١٩٥٥م … أي في آخر شهور الحقبة الاستعمارية مما يدل على أنها تخطيط استعمار.. ..جهات السودان الثلاثة لم تتأثّر تأثيراً مباشراً بمشكلة الجنوب .. .بعد ثورة أكتوبر أخرجت كل جهات السودان شكاويها وإحنها …وسط السودان شهد انقسامات رأسية .. لكن لم تبرز القيادة التي لها القدرة على مجابهة تلك التحديات ..هذا لا يقلل من عظمة ثورة أكتوبر فقد كانت ثورة وعي وتطلّع حقيقي للديمقراطية …فجّرها شباب سوداني متطلّع لمستقبل أفضل… لكن المشكلة في الذين تولوا الحكم بعد الثورة… .وبعد تلك الثورة لم يغمض للسودان جفن… لذلك قلنا إن الذين رحلوا قبلها عاشوا سوداناً يمكن أن يقال عليه أنه سودان كويس نسبياً.
(3)
بصورة عامة يمكن القول إن الذين عاشوا في السودان… في فترة مابعد المهدية وقبل ١٥ أبريل ٢٠٢٣م .. قد نالوا قسطاً من هداوة البال أو على الأقل يمكن اعتبارهم… ما (عاشوا الشقا) كما غنى المغني . .بعبارة ثالثة أي سوداني عايش اليوم ليس من السعداء.. هذا إذا لم نقل إنه من الأشقياء .. اللهم إلا إذا كان زول قلبه ميّت …في ظني أن ١٥ أبريل ٢٠٢٣م يوم فاصل في تاريخ السودان. … .إن الفظاعات والمآسي التي شهدها سكان السودان في هذه الحرب الإبريلية المستمرة إلى يوم الناس هذا لم يشهد السودان لها مثيلاً من قبل …نعم الحرب الأهلية في السودان بدأت منذ ١٩٥٥م ….وهناك الكثير من الانتهاكات والفظائع والمآسي قد حدثت في أطراف السودان… ولكن حرب أبريل ٢٠٢٣م كانت الأوسع انتشاراً وشملت أضخم كتلة بشرية في السودان … كادت الدولة أن تغيب فيها ..معظم العاصمة راحت فيها ..كانت عدواناً على الأبرياء مما أنتج حركة نزوح ولجوء لم يشهد العالم مثيلاً لها من قبل …لقد دخل السودان موسوعة جينيس للأرقام القياسية في عدد النازحين ….كل الذين عاشوا هذا العدوان لن تبرأ جراحهم منه ..وسيرحلون بها إلى الآخرة (والدخلت فيهم ما بتمرق تاني) …عليه يمكن اعتبارهم أشقياء وتعساء السودان ..وفي ظني أنه لن يهنأوا بالقادم مهما كان …خاصة الكهول والشيوخ منهم ..سوف يرحلون بحسرتهم …سوف ينطبق عليهم قول الحلنقي..(حسرة سنيني الراحت ما بترحم الجايات/ندمان عليك يا عمري ندمان على الكلمات) إنهم جيل الندامة …أي جميل عاشوه من قبل قد مسحته هذه الحرب ..لذلك يجب ألا يفكروا في أنفسهم… بل في صغار السن الذي عاشوا هذه الحرب ويعينوهم على التعافي ما أمكن… فيا شيوخ وكهول السودان …رجال على نسوان.. أقنعوا من خير فيها ..واخدوا فضلها وأكان فيكم شي قدّموه للشباب ديل ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top