اندياح
داليا الياس
عصافير النيل القديم !!
لم أجد عنوانا”يتناسب مع أهمية ما لفت نظري وعمقه وأبعاده الكبيره….بحثت كثيراً…قبل أن أختار هذا العنوان الموحي….فالعصافير هنا أردت بها معظم الطيور المهاجرة التى تكابد الغربة في مختلف الأصقاع والنواحي…تسعى طلباً للعلم أو الرزق في بلاد الغير ، بعد أن ضاقت بهم بلادنا على إتساعها…،والنيل القديم هو ذات النيل الذي يجري بين ظهرانينا بالخير والرزق…ولكنه في مامضى كان يسقي قلوب الناس قبل أفواههم….وكان يعبر الأراضي الشاسعه التي يعمرها الطيبون…بأخلاقهم العالية…وضمائرهم اليقظة….وعلاقاتهم الحميمة…وبساطتهم المريحة….النيل القديم كان لزمان غير هذا وأناس غيرنا!!!.
عصافير النيل القديم المهاجرة تعاني الأمرين كلما عاودها الحنين وحزمت حقائبها عائدة للنيل والنخيل….ومعاناتها لاتقتصر على الإجراءات العقيمة…ولا النقلة الحضارية التي يعيشونها بين ماكانوا فيه وماعادوا إليه من تردّي في كل مناحي الحياة والخدمات…وتراجع في مفاهيم الإنسانية!!.
إن أزمة المغترب الحقيقية التي يعيشها إبان العودة المؤقتة أو النهائية…طوعية كانت أو قسرية تتمثل في الصدمة العاطفية التي يتعرّض لها حين يكتشف أن الصورة الذهنية الناصعة التي حملها وسافر بها للناس وشكل الحياة والعلاقات وحرص طويلاً على المحافظة عليها محدّثاً بها كل من يعبر حياته في الاغتراب ممنياً النفس بالعودة للأحضان الحانية والقلوب الصافية والناس الطيبة النقية الصادقة والنزيهة…هذه الصورة لم يعد لها وجود إلا في خياله المثالي وحنينه المعاود!!!.
وكم من صديق أو قريب أنهى إجازته السنوية ولاذ بالفرار والعودة من حيث أتى لأنه لم يجد ماكان يتوقعه مما تركه….لم يجد الناس تحتفي بعودة…لم يجد التواصل الحميم ( واللمة الحلوة) …ولم يجد الأمانة…والإيثار…والكرم!
لم يجد سوى صور متتابعة من النصب والإحتيال والبرود والمصالح التى تغلب على العلاقات…لم يجد المودة التي تركها.. والكبار بوقارهم والصغار ببراءتهم….والحشمة والأدب والحياء…!!.
وجد المجتمع السوداني قد تحول لمسخ مشوه لا هو في تمام تحضّره…ولا منتهى بساطته… فقد تحول إلى مزيج مقزّز من كل هذا وذاك….يسيطر عليه الجهل والمرض والفقر…ويتحكمون فى مؤشراته الإجتماعية والسياسية والأخلاقية والإقتصادية والإنسانية….
وجدوا سوداناً لايعرفونه….ولا يمت للملاذ الذي ظلوا يدخرونه للزمن وجوره بصِلة…..ولا عاد هو الواحة والمتكأ والمكان المثالي للحب والحياة….لم يعد النموذج الأمثل للنقاء والحياة الفطرية الكريمة….تحول لبلاد طاردة…..يدور أهلها في فلك العوز والضنك والقهر والعجز…ولايلوح بريق الأمل في سمائها….ولاتتسع أجواءها لعودة العصافير…فالنيل القديم ماعاد عذباً ولايجري بالحياة!!!.
*تلويح:
عصافيرنا الجميلة تغرّد في بساتين الغير…وحتى عصافير الداخل يراودها حلم الهجرة…وزغب الحواصل يحزمون حقائبهم وغاية أمنياتهم تأشيرة خروج ربما بلا عودة!!.






