حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
“ماعندناش دولة عميقة”
(1)
بعد إذن القاريء نقول كلمتين للتفريق بين الدولة وجهازها من جهة… والحكومة من جهة ثانية …فالحكومة هي الجهاز التنفيذي التشريعي وهذه قد تأتي بالانتخابات أو بالتوريث أو بالانقلاب العسكري أو بثورة شعبية أو حتى ب(دقسة ).. ..وأعضاؤها هم الوزراء والمجلس التشريعي ..رئاسة الجمهورية في حالة الجمهوريات الرئاسية… ويتم اختيار أعضاء الحكومة من الجهة الحاكمة… شعباً كانت أم عسكراً أم ملِكاً..ليست هناك معايير ثابتة أو قواعد موضوعية للاختيار إنما الولاء السياسي فقط…
أما الدولة وجهازها هم موظفوا الخدمة العامة بشقيها المدني والعسكري.. .وهذه تبدأ من أصغر موظف إلى وكيل الوزارة ومدراء المؤسسات… وفي الصعيد العسكري من الجندي المستجد إلى أعلى رتبة فريق أول أو حتى مشير . ..وكل هذه تخضع لقواعد موضوعية محددة سلفاً وليست مفصلة على شخص معين بمعنى …كيف تصبح ضابطاً وكيف تصبح قاضياً وكيف تصبح مدرساً لها شروط معينة لابد من استيفائها ..ويجب أن تكون مفتوحة للكافة …والخدمة العامة لها قوانينها التي تحدّد الاستمرار فيها والترقّي فيها والطرد منها أو أي عقوبة أقل فيها …
كل هذا الكلام من ناحية نظرية بحتة لما ينبغي أن يكون عليه الحال …وقد فصّلنا في هذا في مقال الأمس .
(2)
في السودان ترك الخواجات جهاز دولة ..أي الجهاز البيروقراطي… وإن شئت قل جهاز خدمة عامة ثابت قائم على قواعد موضوعية واضحة …ولم يتأثّر إطلاقاً بشكل الحكومة وظل صامداً في أول حكومتين وطنيتين..الحكومة الحزبية الأولى والحكومة العسكرية الأولى ..نأخذ أمثلة لذلك إذ جاء في التاريخ الشفاهي أن الفريق إبراهيم عبود بعد جلسة لمجلس الوزراء انتهت متأخرة.. كان يود الذهاب لزيارة مريض بالمستشفى فاكتشف أن وقت الزيارة قد انتهى… فقرّر عدم الذهاب لأن حارس بوابة المستشفى لن يسمح له بالدخول… ولكن الذي معه أقنعه بالذهاب وفعلا اعترضهم الغفير فغفل راجعاً..
القصة الثانية أوردها الدكتور منصور خالد في إحدى كتبه… فحواها أن السيد ابراهيم المفتي وزير الأشغال في حكومة السيد إسماعيل الأزهري عام ١٩٥٧م.. وكان من المقربين جداً للأزهري ،أراد المفتي توسيع حجيل بيت الحكومة الذي يسكنه (الحجيل هو سور الحناء)… فطلب موترقريدر .فاعترض الوكيل على الأمر… بحجة أن الوزير ليس من صلاحياته المساس ببيوت الحكومة لأن هذا أمر فني ومن صلاحيات الوكيل وما دونه ..ورفع الأمر للأزهري فأيد ما ذهب إليه الوكيل …
(3)
هذا الفصل المُحكم بين الدولة والحكومة لم يستمر طويلاً في السودان .. كما ذكرنا بالأمس فتدخلت السياسة وأصبح الوزير مثل ديك العدة في الوزارة يفعل فيها مايشاء.. وبالتالي من فوق الوزير كرئيس الوزراء أو رئيس الدولة يتدخّل بذات الثغرة التي تدخّل بها الوزير.. فاختلط نابل السياسة بحابل الإدارة …وكانت النتيجة الفوضى التي نراها الآن في التعينات والإعفاءت ..وتظهر الآثار الضارة بصورة أوقع وأكبر في حالة ضعف الحكومة كما هو حادث الآن..
الذي يحدث الآن كشف أنه ليس لدينا دولة عميقة في السودان .”ياريت لو كانت عندنا دولة عميقة” لأنها لو كانت موجودة لما لعبت بها الحكومة الحالية ..الواضح أن لدينا حكومة خفية وهي تدير المشهد كله …أين هذه الحكومة الخفية ؟وما ومن الذي يحرّكها …؟ لعل هذا يكون موضوعاً قادماً لنا إذا أمد الله في الآجال ..






