حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
“المذاعنة .. Whataboutism”
(1)
في هذه الدنيا هناك أناس لا يحبون أن يروا في الوجود شيئاً جميلاً…. لا ينظرون إلا للسلبيات ….حتى إذا وقع نظرهم على شيء جميل يتجاوزونه للنظر في الجانب السلبي ..المثل السوداني الدارجي يصفهم “لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب”.. جنهم نبيشة والزول النباش هو الذي ينكت الشي الشين ليغطي به على الشي السمح …
هؤلاء النباشين يسمونهم الانجليز “وات اباوت اذم”What about ism
أي ماذا عن ..فمثلاً تقول للواحد منهم إن المسؤل الفلاني قد قام بإنجاز ضخم يتمثّل في إنشاء كبري على النهر . …وجعل الناس يستغنون عن المراكب وما كانت تجره من غرق ومآسي… فيقول لك ماذا عن الفضيحة التي ارتكبها ذات المسؤل عندما صدم ذلك العامل المسكين وهو يرجع بسيارته للخلف.. . أو يبخس الكبري بالقول ماذا عن عشرات المراكبية الذين يسترزقون من عملهم في النهر قبل قيام الكبري ….المهم أنه يثير ما يلفت النظر عن المُنجز الايجابي …هؤلاء المبخساتية أي جماعة الاستدراكات بماذا عن ؟اسموهم المذاعنة …وقيل في وصف الواحد منهم إنه إذا أراد أن ينظر إلى نفسه في المرآة يلطخها بالطين أولاً …ثم ينظر إليها ليرى نفسه قبيحاً…
(2)
مناسبة هذه الرمية هي أنني كتبت قبل أيام عن الكلمة الضافية التي قدّمها وزير الخارجية السفير محي الدين سالم في مجلس حقوق الإنسان الذي انعقد بجنيف لمناقشة الأوضاع في مدينة الأبيض… وقد أشدت بما قاله خارج النص الرسمي بأنه هو شخصياً من ذات مدينة الأبيض …وأنهم كأهل للأبيض سوف يدافعون عنها حتى الموت ” لن تسقط ونحن على قيد الحياة “وفي نهاية المقال حذرت مازحاً من أن ينط علينا …خرّاب حفلات…و يتناول إخفاق للوزير أو الوزارة أو حتى الحكومة ليبخّس به الإنجاز الذي أظهره الوزير ..وطالبت بأن ينحصر نقاش الموضوع في الخطاب بتاع الوزير في جنيف …. ولم يخيّب السادة القراء ظني .بعضهم بخّس ذلك المُنجز بالقول إنها كلام والسلام ..وبعضهم قال إن الحكاية ما طق حنك.. وأحدهم وصف الوزير بأنه كوز ..وأحدهم تحدث عن الفوضى في وزارة الخارجية وبالطبع كاتب المقال اللهو شخصنا الضعيف نال حظه من التقريع …المهم في الأمر أن التبخيس لم ينصرف لكلمة الوزير إنما لشخص الوزير أو الكاتب أو عدم فعالية التحدّي الوارد في الكلمة …لكن بحمد الله الغالبية العظمى إن لم نقل المطلقة من المعلقين ذهبت إلى ما ذهب اليه الكاتب بأن كلمة الوزير كانت موفّقة …وأن الوزير استثمر الفرصة المتاحة استثمار جيد … وأن الرجل قد ادأحسن فيجب أن يقال له أحسنت …
(3)
إن هذه المذاعنة أو النبيشة أو الشنافة المذكورة أعلاه مرض نفسي ينبغي التخلّص منه… وهذا لمصلحة المُبخِّس أو الشناف أو المذاعن لكي يستمتع برؤية الأشياء الجميلة ..فلئن قال الشاعر إن الذي نفسه بغير جمال ..لايرى في الوجود شيئاً جميلاً ،فإنه قد صعّبها لأن الرائي لايمكن أن يزرع في نفسه حب الجمال …وقد كان الأوفق أن يركّز على رؤية الجمال لينعكس ذلك على نفسه لتكون ذات جمال .فالنبيشة والشنافة تقتل الجمال في النفس
إذا تجاوزنا الناحية النفسية الفردية إلى الناحية الاجتماعية العامة …فإن النبيشة تعتبر مدخلاً من مداخل خطاب الكراهية …الإمساك ببعض الزلات لبعض الناس ورفعها ككرت أحمر… اذا أحسنوا في يوم قادم يعني إغلاق الطريق أمام التسامح وتجاوز الهفوات ..من كان منكم بلا خطيئة فاليرمها بحجر…إن الشنافة تساعد على الاستقطاب الحاد وعدم ذوبان الفواصل من أجل التقارب والتلاقي …
أما إذا دلفنا إلى عالم السياسة ( الله يقطعها ويقطع طاريها) …فإننا نناشد السياسيين إلى النظر فيما هو جميل عند خصومهم وليس تتبّع عثراتهم حتى تتكون الأرضيات المشتركة بينهم …إن الإقبال على بعض أحسن الف مرة من الإدبار عن بعض …إن السياسي الذي يجيد الهجوم على خصومه هو أسوأ انواع السياسيين …لأنه من صناع الفرقة والشتات ..
وقديماً قالوا الكلمة الطيبة بخور الباطن .
قل خيراً أو أصمت
وإن كان لابد من المحاورة فاليكن اللعب على الكرة وليس على جسم اللاعب ..






