توثيق أكثر من “2250” حالة عنف جنسي في السودان
انتهاكات الجنجويد..أمام مجلس الأمن
إحصائيات وأرقام مفزعة..عنف ممنهج للمتمرّدين
ترهيب المدنيين وتفكيك النسيج الاجتماعي..ممارسات المليشيا
اغتصاب مئات القاصرات وحالات استعباد جنسي..تحريك الملفات
تقرير : ضياءالدين سليمان
أعاد السودان ملف جرائم العنف الجنسي المرتبطة بالحرب إلى واجهة النقاش الدولي بعدما عرض أمام مجلس الأمن الدولي احصائيات مخيفة وأرقاماً مفزعة تعكس حجم المأساة الإنسانية التي تعيشها النساء والفتيات في مناطق التي كانت تسيطر عليها المليشيا.
وفيما أكدت الحكومة السودانية أن ما جرى توثيقه لا يمثل سوى جزء من الواقع حمّلت فيها مليشيا الدعم السريع المسؤولية عن هذه الانتهاكات، معتبرة أن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين تجاوزت كل الأعراف الإنسانية والقوانين الدولية وأصبحت تمثل أحد أكثر الجوانب قتامة في الحرب الدائرة بالبلاد.
إحصائيات
وخلال جلسة مجلس الأمن الخاصة بملف “المرأة والسلام والأمن” أعلنت ممثلة السودان لدى الأمم المتحدة أسرار أحمد الصديق، توثيق أكثر من “2250” حالة عنف جنسي ارتكبتها المليشيا منذ اندلاع الحرب من بينها 224 حالة لفتيات قاصرات إضافة إلى 190 حالة استعباد جنسي.
وأكدت مندوبة السودان أن هذه الأرقام تعكس فقط الحالات التي أمكن الوصول إليها وتوثيقها بينما لا تزال آلاف الانتهاكات المحتملة بعيدة عن الرصد نتيجة استمرار العمليات العسكرية وصعوبة وصول فرق التوثيق إلى العديد من المناطق فضلاً عن خوف الضحايا من الإبلاغ بسبب الوصمة الاجتماعية أو التهديدات الأمنية.
مسؤولية المليشيا
وجددت الحكومة السودانية أمام مجلس الأمن اتهامها لمليشيا الدعم السريع بالوقوف وراء الاحصائيات الكبيرة من جرائم العنف الجنسي التي شهدتها مناطق النزاع، مؤكدة أن هذه الممارسات لم تكن حوادث فردية أو معزولة، وإنما ارتبطت بالهجمات التي استهدفت المدن والقرى والأحياء السكنية التي خضعت لسيطرة الدعم السريع.
سياسة ممنهجة
وترى الخرطوم أن استخدام الاعتداءات الجنسية بحق النساء والفتيات جاء ضمن سياسة لترهيب المدنيين وإذلال المجتمعات المحلية، وإجبار السكان على النزوح وهو ما خلف آثار إنسانية ونفسية عميقة ما زالت تتفاقم مع استمرار الحرب.
وتشير مندوبة الحكومة إلى أن هذه الجرائم لم تستهدف النساء فقط بل أصابت النسيج الاجتماعي بأكمله إذ أدت إلى تفكك أسر، وتشريد آلاف العائلات، وحرمان كثير من الضحايا من الحصول على الرعاية الصحية والدعم النفسي، في ظل انهيار واسع للخدمات الأساسية في مناطق النزاع.
إحصائيات تكشف حجم الكارثة الإنسانية.
مآسي
وتبرز الإحصاءات التي قدمها السودان أمام مجلس الأمن حجم المأساة التي خلفتها الحرب، إذ تمثل الفتيات القاصرات ما يقارب 10 في المائة من إجمالي الحالات الموثقة بينما تشكل حالات الاستعباد الجنسي نحو 8 في المائة من مجموع الانتهاكات المسجلة.
ويرى مختصون أن هذه الأرقام، رغم خطورتها لا تعكس الحجم الحقيقي للجرائم لأن كثيراً من الضحايا لم يتمكنّ من الوصول إلى مراكز التبليغ أو يخشين الإفصاح عما تعرضن له خوفاً من الوصمة الاجتماعية أو الانتقام.
كما تشير تقديرات منظمات إنسانية إلى أن الاف النساء والفتيات في السودان أصبحن بحاجة إلى خدمات الحماية والرعاية الصحية والنفسية في وقت تعاني فيه البلاد من واحدة من أكبر أزمات النزوح والانهيار الإنساني في تاريخها الحديث الأمر الذي يجعل معالجة آثار هذه الجرائم تحدياً يمتد لسنوات حتى بعد توقف الحرب.
آثار ممتدة
ويرى خبراء في القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان أن العنف الجنسي في النزاعات المسلحة لا يمثل مجرد انتهاك لحقوق الأفراد بل يعد من أخطر الجرائم التي تترك آثاراً ممتدة على المجتمعات وقد يرقى متى توافرت شروطه القانونية، إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
ويؤكد المراقبون أن استخدام هذا النوع من الانتهاكات لترهيب المدنيين أو تهجيرهم يعد من أخطر أساليب الحرب الحديثة لأنه يستهدف كرامة الإنسان ويترك آثاراً نفسية واجتماعية يصعب تجاوزها.
محاسبة
ويشدد الخبراء على أن غياب المحاسبة يشجع على تكرار هذه الجرائم مؤكدين أن تحقيق العدالة للضحايا لا يقتصر على معاقبة المسؤولين بل يشمل أيضاً توفير العلاج والرعاية النفسية وإعادة دمج الناجيات في المجتمع وتعويضهن عن الأضرار التي لحقت بهن باعتبار ذلك جزءاً من العدالة الانتقالية التي لا غنى عنها لتحقيق سلام مستدام.
تحرك دولي
وطالبت ممثلة السودان مجلس الأمن بالانتقال من مرحلة الإدانة اللفظية إلى اتخاذ خطوات عملية تضمن ملاحقة المتورطين في جرائم العنف الجنسي ودعم الآليات الوطنية والدولية المختصة بالتحقيق والمساءلة إلى جانب تعزيز برامج حماية النساء والأطفال، وتوفير الدعم اللازم للناجيات من هذه الانتهاكات.
وأكدت أن استمرار الحرب دون إجراءات رادعة من المجتمع الدولي سيؤدي إلى اتساع دائرة الانتهاكات وهو ما يتطلب موقفاً أكثر حزماً يضمن حماية المدنيين وإنهاء حالة الإفلات من العقاب، ومنع تكرار الجرائم بحق النساء والفتيات في السودان.
جرائم متكررة
وخلال الأشهر الماضية تكررت الاتهامات الموجهة إلى الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين في عدد من الولايات، شملت – وفقاً لما وثقته تقارير أممية ومنظمات حقوقية – أعمال قتل ونهب وتهجير قسري واعتقالات تعسفية إلى جانب جرائم عنف جنسي هزت الرأي العام السوداني والدولي.
وترى الحكومة أن تعدد هذه الاتهامات وتشابه أنماطها يعزز الحاجة إلى تحقيقات مستقلة ومحاسبة كل من يثبت تورطه بما يضمن إنصاف الضحايا وعدم تكرار مثل هذه الجرائم مستقبلاً.
فيما يضع الملف الذي طرحه السودان أمام مجلس الأمن المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية كبيرة ليس فقط في إدانة الجرائم وإنما في اتخاذ إجراءات عملية تحول دون استمرارها و أن أي مسار جاد لإنهاء الحرب وبناء السلام سيظل ناقصاً ما لم تُكشف حقيقة الانتهاكات ويُحاسب المسؤولون عنها وتُنصف آلاف النساء والفتيات اللاتي دفعن ثمناً باهظاً لهذا الإنتهاكات .






