حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
“اليوم مطر …وغدا أمر”
(1)
عندما كانت بيوتنا من الطين كنا نستعد لموسم الأمطار … بتلييسها وهذه من اللياس… واللياس يكون بالزبالة… والزبالة هي تخمير لروث البهائم …أها تاني نشرح نقول شنو ؟ ثم نردم الجدران الملتصقة بالأرض من الخارج … ونفتح المجاري …أذكر في ذات يوم ونحن قادمين من الخرطوم عصراً في عربية مكشوفة صبّت علينا مطرة تقيلة عند منطقة الباقير … وكان معنا نساء وأطفال وكان بالعربية مشمع قصير…. ونحن نقوم بالمعالجات اللازمة… أحد الركاب أطلقها ضحكة عالية واختتمها قائلاً “الحمد لله أنا بيتي مليس”…
أخذتنا المدنية فتركنا بيوت الطين.. التي نشانا فيها ولم نبني في قرانا “العمارات السوامق” المسلحة …بل بنينا مسخاً لا لامي جاي ولا لامي جاي …وهكذا أصبح استعدادنا لموسم الأمطار مجهجها هو الآخر …
(2)
ونحن في هذه الأيام بعد سكبنا كلما ما نملك في تحضير الأرض للزراعة ..بالمناسبة التحضير في هذا الموسم دخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية بارتياح شديد …سمعنا أن الحكومة قالت ستمول الموسم الزراعي بكذا تريلون لكن “يعمينا”….
بعد التحضير لم تنزل الماء في القنوات كما يُفترض … ولم تظهر في السماء مزنة ..و”الضراع” يتوغّل فاصابنا الخوف والهلع …لكن ربك رب الخير في الثامن من يوليو الجاري تجمعت السحب فكانت رشة ما بطالة …بعثت فينا الأمل … ولكن ليلة الحادي عشر من يوليو كانت سر الليالي… إذ هطلت فيها أمطار غزيرة في معظم الجزيرة ومعظم وسط السودان ..لقد أمضينا الليل كله في معافرتها في منازلنا التي لم تكن مهيأة لها ..السقوف مقدّدة ..الشبابيك فاقدة للترابيس ،الأواني تعوم في وسط الدارة. .. المجاري مقفلة.. فأصبحت الحيشان تكب في الغرف… النساء والأطفال في حالة ذعر ..بينما المزارعين مبسوطين للآخر …ويدعون في سرهم يا رحّام يا رحّام طلباً للمزيد من الغيث ..قد لاتكون هذه الصورة في كل الجزيرة… لكنني أجزم بأنها ظهرت في أنحاء مقدّرة منها …فالمزارعون ركزوا على الحواشات وتركوا منازلهم …دفنوا موجودهم في الأرض والدولة خذلتهم مرتين … مرة بعدم الإعانة في التحضير …مرة بعدم إنزال الماء في الوقت المطلوب … لعدم صيانة القنوات… فأصبحت أيديهم على قلوبهم وعيونهم في السماء… فالحمد لله من قبل ومن بعد الذي لم يخذلهم .
(3)
أمطار الأسبوع الثاني من يوليو الجاري التي يمكن تقديرها بعشرات الملايين من الأمتار المكعبة… ترجع أهميتها الي أنها سوف تملا الشقوق في القنوات.. وتلك التي في الحواشات … وبالتالي تمهد لجريان أي كمية مياه متدفقة من الخزان … وساعتها ستصل مياه القنوات لاوسع مساحة ممكنة …..أما بالنسبة للمزروعات التي نبتت قبل هطول هذه الأمطار فستكون لها بمثابة “رية” ثانية …كما أن الأمطار تقتل الآفات لما فيها من ثاني أكسيد الكربون… وفوق هذا تقوم بعملية تسميد لأن بها حمض النيتريك … شفت كيف نعمة المطر ؟ مخطيء من يظن أن المشاريع المروية لاتحتاج إلى المطر المباشر …هذه قصة أخرى .
خلاصة قولنا هنا … أن الله قد أنعم على البلاد بنعمة كبيرة بأمطار الأسبوع الثاني من يوليو الجاري …إنها مقدمة الإنقاذ من المجاعة وشيل والحال… إنها البداية الحقيقية لتأسيس الموسم الزراعي الجديد ..وماعلينا إلا أن نشكر الله ونسأله أن يتواصل الصبيب إلى نهاية الموسم.. ولو نحن بنعرف سياسة جد… إن خبر هذه المطرة… أهم خبر على الاقل منذ بداية عام ٢٠٢٦ ..ويمكن إلى أبعد من ذلك …أما ما سيحدث للخرطوم وبيوتها المهجورة… في حالة نجاح موسم الأمطار .. فأحسن نخليه على جنب مع المكعبلات السياسية الأخرى …..حتى لايفسد علينا بهجة يومنا هذا …..






