اندياح
داليا الياس
“الدكاترة ولادة الهنا”
لاأستطيع أن أجزم بانحيازي التام للموقف الأخير لبعض الأطباء رغم إيماني المُطلق بموضوعية الكثير مما ذهبوا إليه وقناعتي المفرطة بتردّي أوضاع المهنة وضعف إمكانياتها والتحامل الكبير الذي يتعرّضون له من المجتمع بينما يرزحون تحت وطأة ظلم الجهات المعنية.
أعلم أن المرتبات ضعيفة والبيئة غير صالحة لممارسة هذه المهنة السامية المقدّسة كما يجب، مثلما أعلم أنهم كثيرا ما تعرّضوا للتأنيب والهجوم والتعدي.
ولكن شيئاً ما بداخلي ظل يعرب عن تحفّظه تجاه رفع أياديهم البيضاء عن الخدمة وتجميد نشاطهم كملائكة للرحمة وإن كان جزئياً، وإلى حين.. ومهما كانت الشعارات المرفوعة من ورائه براقة!.
فنحن جيل قد تربى على أن الطبيب إنسان مختلف.. ربما كان من كوكب آخر.. من فرط نظافته وهندامه وتهذيبه ووقاره ونبله وحنوه ولطفه وبشاشته، كان للطبيب القدح المعلى في المجتمع، نقسم بحياته ونجله حد التقديس ونزهو بصحبته ونعتقد في نزاهته وصدقه وعبقريته.
وكانت العديد من الأغاني تغني لأجل عينيه ومشيته و(البالطو) الأبيض الذي يرتديه حتى بات المصطلح التعريفي الرائج حول الأطباء أن (الدكاترة ولادة الهنا) وهو ما دفع جميع الأمهات للسعي في هذا الاتجاه وجعلنا في طفولتنا الباكرة نردد دون أدنى تفكير (داير أطلع دكتور)!!.
فماذا حدث حتى تراجع كل ذلك التوقير وخبأ ذلك البريق؟!.. إنها باختصار أزمة مجتمع كامل.. ساهمت فيها وزارة التعليم العالي يوماً بفتح كليات الطب أمام (الغاشي والماشي) بترجيح كفة الاقتدار على التفوق والرغبة والاستعداد، وساهم فيها الفساد المستشري بالتردّي والتجاوز والعبث.. وساهم فيها المجتمع بسعي الأسر للحصول على اللقب وحسب أولاً، ومن ثم الهجوم الكاسح على الطبيب في كل المواقف العصيبة ثانياً.
المهم.. أعتقد أن الأمر برمته يحتاج لما هو أعظم من مجرّد اعتصام استمرأه البعض لتمرير أجندات خفية لا علاقة لها بالأطباء والمرضى بأي حال ،ومن ارتضى أن يمتهن هذه المهنة الرسالية المقدسة فعليه أن يعلم دائما أن حجم التنازلات والتضحيات فيها أكبر من المكاسب دون شك.
واسمحوا لي في غمرة الأحداث المتلاحقة.. الواضح منها والمبهم أن أحيي الخدمة الوطنية سقى الله أيامها ومجنديها من الكوادر الطبية الذين التزموا بالقسم المهني وإجتهدوا ردحاً من الزمن في سد الثغرات وتلافي القصور وإكمال النقص في معظم المستشفيات الحيوية محتملين الهجوم والتهكم والاتهامات التي طالتهم من زملائهم أصحاب (المواقف)، وظلوا قابضين على جمر هذه المهنة الإنسانية مجرّدين من كل شغف الدنيا، ميممين وجوههم شطر الأبرياء الكادحين الذين لا حول لهم ولا قوة، ملبين نداء الوطن تحت إشراف ذلك الصرح الذي يعد لكل المقاييس مخزوناً بشرياً استراتيجيا يعج بالإمكانيات.
وفي حال كانت الاعتصامات تؤتي أكلها فإنني أفكر جدياً في الاعتصام ضد (الفيزيتا) الباهظة التي يفرضها علينا بعض الأطباء.. وضد الاستهتار الواضح الذي يمارسونه.. وضد الأخطاء الطبية الفادحة.. وضد طوابير الانتظار.. والصلف والغرور.. وأسعار العمليات الفلكية!!.
*تلويح:
أنا ضد كل ما من شأنه أن يحيل هذه المهنة النبيلة لوسيلة للعبث بأرواحنا، فلا يزال الطبيب في خاطري ملاكاً على الأرض لا أحتمل منه سوى السعي نحو الكمال.






