وثّق انتهاكات واسعة ارتكبتها المليشيا تجاه الإعلاميين تقرير الاتحاد..تفاصيل وأرقام

وثّق انتهاكات واسعة ارتكبتها المليشيا تجاه الإعلاميين

تقرير الاتحاد..تفاصيل وأرقام

مقتل عشرات الصحفيين وتعذيب وإخفاء آخرين..تنديد

تخريب “60” مؤسسة إعلامية ..خروج من الخدمة

الباز :الإعلام أُستهدف بشكل غير مسبوق وتم تدمير الذاكرة

عبد العظيم عوض: الآف تعرّضوا للتشريد وتسبّب التمرد في انتكاسة للقطاع

توصية باستعادة الطباعة الورقية وصندوق طوارئ للصحفيين

تقرير: هبة محمود

انتكاسة كبيرة والثمن غال .. هكذا يصف أهل الصحافة والإعلام ما تعرّضت له المهنة منذ إندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل من العام 2023م، إذ شهد الصحفيون والمؤسسات الإعلامية تفاصيل دامية ومحزنة من القتل والتشريد والتدمير الممنهج على يد المليشيا المتمرّدة.
فقد أظهر تقرير حديث صادر عن إتحاد الصحفيين السودانيين، بالأرقام تفاصيل تصاعد غير مسبوق للانتهاكات التي تعرّضت لها مهنة الإعلام منذ بداية الحرب حتى يوليو الجاري 2026م.
كما أكد التقرير أن الهجمات تجاوزت استهداف الصحفيين إلى تدمير البنية التحتية الإعلامية ومحو الأرشيف الوطني، موثقاً مقتل 34 صحفياً وصحفية بينهم 5 صحفيات، إلى جانب أكثر من 680 انتهاكاً شملت القتل والاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري، فيما تعرضت أكثر من 60 مؤسسة إعلامية للتدمير والنهب والتخريب، ما أدى إلى خروج 90% من البنية التحتية للإعلام عن الخدمة.
وليس بعيداً عن ذلك فقد وثّق التقرير ما تعرض له الصحفي آدم إسحق منان من إعتقال، وكذا اعتقال كادر نسائي كامل من إذاعة جنوب دارفور، إضافة إلى تصفية مدير وكالة السودان للأنباء بالفاشر تاج السر أحمد سليمان واعتقال مراسل الجزيرة معمر إبراهيم والمصور إبراهيم جبريل بابو.
مع سبق الإصرار
وفيما تواصل المليشيا استهدافها الممنهج للمنابر الإعلامية فقد أشار التقرير إلى تهديدات علنية في يوليو 2026 استهدفت مراسلي صحيفة دارفور 24، مع استمرار ملاحقة الصحفيين والقائمين على المنصات الإعلامية وغرف الطوارئ.
وفي إطار ذلك ينظر خبراء إعلاميين إلى أن التدمير والاستهداف الذي تعرضت له المؤسسات الصحفية والإعلامية من قبل مليشيا الدعم السريع، كان ممنهجا ومنظما، حيث أنها سعت للقضاء على جميع المنابر الصحفية والإعلامية، سواء كانت ورقية أو إلكترونية.
ويرى الخبراء أن المليشيا قامت تدمير الدور الصحفية و تدمير بنياتها الأساسية بشكل ممنهج، داخل ولاية الخرطوم، بما في ذلك المطابع التي كانت معنية بطباعة الصحف، باستثناء المطبعة العسكرية في وادي سيدنا التي نتجت من الغزو البربري.
تفاصيل
ويواصل التقرير كشف انتهاكات المليشيا بحق الصحفيين والاعاميين إذ تعرض (عصام محمد هارون – مدير إذاعة وتلفزيون الفاشر) للاختفاء القسري، فضلا عن اعتقال (مصطفى فضل المولى – مدير إذاعة وتلفزيون وسط دارفور) بمدينة زالنجي، في الفترة من أغسطس إلى سبتمبر 2025.
كما شهد العام 2024، حسب التقرير، مقتل وتصفية الصحفية (حنان آدم) إثر اقتحام منزلها بولاية الجزيرة، ووفاة الصحفي (مهند الحسين) تحت وطأة الحصار والمنع من الرعاية الطبية في الخرطوم.
ولم تكتفي المليشيا بذلك، فقد أقدمت على تصفية الصحفية (حليمة إدريس سليم) دهساً بمركبة عسكرية تابعة للمليشيا في أمدرمان أثناء أداء واجبها المهني، ومقتل الصحفيين (معتز محمود) و(خالد بلل) في استهدافات مباشرة.
ويعتبر الأمين العام السابق لمجلس الصحافة والمطبوعات عبد العظيم عوض، أن الصحفيين لاقوا ما لا قوا من عنت وتعذيب وقتل وتشريد من قبل المليشيا، مستذكراً في حديثه لـ”الكرامة” شهداء للتلفزيون القومي، و المراسل الصحفي معمر إبراهيم الذي مازال معتقلا في سجون المليشيا..
ويرى عبد العظيم أن الآلاف من الصحفيين تعرضوا للتشريد والشتات في مختلف بقاع الأرض، لافتاً إلى أن
المهنة تعرضت لانتكاسة كبيرة جدا جراء العدوان الغاشم، الذي دفع الصحفيين ثمنه غاليا بتشريدهم الممنهج والمنظم.
تدمير ممنهج
التقرير الذي أعده اتحاد الصحفيين كشف عن عمليات تدمير ممنهجة للبنية الإعلامية، شملت سرقة عربة تلفزة حديثة بقيمة مليون دولار، وثلاث عربات بث فضائي، وأجهزة إرسال وكاميرات ومخدمات الأرشيف الرقمي، إلى جانب حرق غرفة التحكم الرئيسية بالإذاعة بخسائر قدرت بـ700 ألف يورو، وتدمير محطة الإرسال التي كانت تخدم 34 إذاعة.
وأوضح التقرير أن الحرب أدت إلى توقف الصحافة الورقية لأول مرة منذ عام 1903، مع لجوء الصحف إلى نسخ إلكترونية بصيغة PDF، محذراً من اختفاء المحتوى الصحفي في بيئة رقمية غير مؤرشفة.
في سياق ذلك ينظر الأمين العام السابق لمجلس الصحافة والمطبوعات عبد العظيم عوض خلال إفادته لـ”الكرامة” أنه حتى الدور المعنية بالتوثيق والارشفة مثل دار الوثائق تم تدمير أجزاء كبيرة جدا من بنياتها التحتية، فيما لم يسلم مجلس الصحافة من القضاء على ارشيفه..
وإعتبر أن القضاء على البنية الإعلامية والصحفية في السودان، كان أمرا ممنهجا ظهر جليا في مباني الإذاعة والتلفزيون.
وابدى عوض اسفه العميق على ما تعرض له مجلس الصحافة والمطبوعات من تدمير، مؤكدا أن المليشيا إعادته إلى ما كان عليه في العام 1972.
وقال: عندما قامت الحرب كان هناك تخطيط لتطوير المجلس وتعديل القانون بما يسمح باستيعاب الصحافة الإلكترونية والمستجدات الرقمية والإعلامية، لكن إذا به الآن يعود إلى مكتب صغير داخل وزارة الإعلام كما كان عليه في العام 1971 أو العام 1972 قبل أن يواكب التطور.
استهداف غير مسبوق
في ذات الإتجاه يعتبر رئيس تحرير صحيفة الأحداث الأستاذ عادل الباز، أن أحد أبرز السمات التي ميّزت هذه الحرب هو استهداف الإعلام بشكل غير مسبوق.
مؤكداً خلال إفادته لـ “الكرامة” أن كل الانقلابات والتمردات السابقة كانت الأطراف الانقلابية فيها حريصة على السيطرة على الإعلام والمحافظة عليه لأنه يعزز سلطتها ويشرعن وجودها ويمنحها صوتاً.
ورأى الباز أن هذا التمرّد قد سلك مسلكًا غريبا مختلفًا تماماً اذ عمد إلى تدمير الصوت الإعلامي الذي كان يمكن أن يعبّر حتى عن التمرد نفسه أو ينقل رسالته، لكن وعندما عجز عن السيطرة على الأدوات الإعلامية وتوظيفها لصالحه، لجأ مباشرة إلى تدميرها دون اي بديل داخلي.
واضاف: بذلك بدأ التمرد أخرس داخلياً، الأمر الذى دفعه للجوء للخارج بعد أن أخرس كل المؤسسات الإعلامية الخاصة والعامة(الصحف، القنوات التلفزيونية، وغيرها)، في حملة تدميرية منهجية.
ويذهب إلى أن الهدف كان واضحًا من ذلك وهو إسكات أي صوت يمكن أن يكشف بشاعات هذا التمرد ويُبرز طبيعته الإجرامية ضد الدولة والشعب.
تدمير الذاكرة الجماعية
ويشير عادل الباز خلال حديثه لـ” الكرامة” الى أن واحدة من الملاحظات المهمة أيضًا أن التمرد توجه إلى تدمير الأرشيف والذاكرة الصحفية والتاريخية للمجتمع.
مؤكدا أن المليشيا دُمّرت دور النشر والمكتبات والوسائط والأرشيفات، كأن الهدف هو محو الذاكرة الجماعية للشعب السوداني.
ولفت إلى أن الصحافة تعتبر هي الذاكرة الحية للشعوب، ومن أراد طمس التاريخ والوعي الجمعي لا بد أن يبدأ بتدميرها.
وقال إنه ولأول مرة في تاريخ السودان تعتمد حركة داخلية بشكل كامل على صوت خارجي، حيث أن هذا الاعتماد الكلي على الإعلام الاجنبى والمنصات الدولية والعربية لنقل البيانات والتصريحات كان أحد أوضح المؤشرات على أن هذا التمرد ليس سودانياً خالصاً، بل جزء من عدوان خارجي مخطط، يستخدم أدوات داخلية.
واشار إلى أن المليشيا استخدمت بشكل كثيف ومنظمًا وسائل التواصل الاجتماعي بصورة لم يسبق له مثيل في الصراعات السودانية، منوها إلى أنه بينما كان الجيش السوداني والمؤسسات الوطنية يعتمد على صوت رسمي محدود (الإذاعة والتلفزيون)، نجح التمرد في شن هجوم إعلامي رقمي واسع، مدعومًا بتضخيم الصور والأخبار والروايات المضللة.
نتيجة مأساوية
كل هذه الظواهر وفق الباز تُعد جديدة على الساحة السودانية، وتكشف عن طبيعة هذا العدوان الخارجي الذي جعل الاستهداف الإعلامي والصحفي أحد أهم محاوره.
واعتبر أن النتائج اليوم تعد مأساوية إذ تسجّل التقارير نحو 34 صحفيًا شهيدًا نتيجة العدوان، بالإضافة إلى عشرات المحتجزين والمشردين والمخفيين قسراً.
وقال إن هذا العدد غير المسبوق يعكس الوحشية التي يتعامل بها التمرد مع الصحافة والصحفيين، مشيدا بالتقرير الصادر عن الاتحاد الذي كشف هذه الحقائق.
وفي ذات المنحى ناشد الأمين العام السابق لمجلس الصحافة والمطبوعات عبد العظيم عوض المؤسسات المعنية بالثقافة وعلى رأسها اليونسكو على مد يد العون للسودان حتى يعود إلى موقعه الريادي في الثقافة والإعلام والتراث والسياحة والآثار، وينهض مجدداً.
كما وجه دعوة للناشرين والصحفيين أن يعملوا على إعادة الصحافة الورقية ولو بإصدار صحيفة واحدة أو اثنتين لأهمية ذلك، لافتاً إلى أن الصحافة الإلكترونية لن تحل محل الصحافة الورقية.
وتابع: أدعو القادرين من الناشرين لإصدار الصحف الورقية حتى تعود الصحافة السودانية إلى سابق عهدها..
مخطط تصفية
وفي ختام التقرير دعا اتحاد الصحفيين السودانيين إلى دعم التحول الرقمي، واستعادة الطباعة الورقية، وإنشاء صندوق طوارئ للصحفيين، وتفعيل الآليات الحقوقية، مؤكداً أن الانتهاكات الموثقة ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتستوجب تحركاً عربياً ودولياً عاجلاً.
وأكد اتحاد الصحفيين السودانيين للأمانة العامة لاتحاد الصحفيين العرب وللمجتمع الدولي، أن ما تقوم به مليشيا الدعم السريع المجرمة، ليس مجرد آثار وتداعيات عرضية وجانبية للحرب، بل نمط منظم ومخطط استراتيجي تدميري مكتمل الأركان ترعاه دول مجرمة.
وقال إن هذا المخطط يهدف إلى تصفية الكادر الصحفي القادر على الشهادة والتوثيق، وإعدام المؤسسات الإعلامية التي تشكل المرجع الأساسي لتوثيق التاريخ وبناء السلام وحماية الهوية والأرشيف السوداني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top