حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
من داخل القاهرة (4)
في هذه الأيام من أيام القاهرة وجدت نفسي كثير الاستماع لأغنية بناتية دكاكينية منتشرة انتشاراً شديداً في الميديا السودانية تجدها في أرقى القروبات … لما فيها من أداء رائع وموسيقى خفيفة ولا تخلو كلماتها من مضامين اجتماعية… تلك الأغنية التي يقول مطلعها (نقل الموية من البيارة /عواسة الطرقة بملاح كرارة) لفت نظري فيها (دكان علوي الجنب الجزارة) إلى بقالات القاهرة المنتشرة فهي عبارة عن خلية نحل تجد البقالة مكتظة بالمستهلكات اليومية (حدها السقف) وممتدة في الرصيف حيث الأشياء قليلة الثمن … يقوم عليها نفرين ثلاثة.. وتعمل أربعة وعشرين ساعة واللة تمنيت أن أرى واحدة من تلك البقالات التي أمر عليها يوميا مغلقة… مثل دكان علوي عندنا حيث يعمل بمزاجه وفي الأقاليم أصبحت الدكاكين منتديات لناس شلة قاسم الفارغة وليس لها أي شغل أو مشغلة إلا الشمارات و(حلاة البن جبنة من سارة) .
شارع بورسعيد في وسط القاهرة يسمى شارع الشحن إذ تحمل منه الشاحنات لكل أرجاء مصر وإلى الدول المجاورة بما فيها السودان، هذا الشارع يعمل من العصر إلى صباح اليوم التالي… هكذا يتغلّبون على سخانة الطقس بالعمل الليلي ويلفت نظرك فيه قوة ونشاط العامل المصري فتجده يجري على السلم وفي ظهرة حمولة تتجاوز المائة كيلو جرام…
لا توجد كوارو تجرها الخيول والحمير في وسط الأسواق (سيد الكاره اسرع لي الشمس حاره)… فما نسمية نحن الكوارو هنا يجره ابن آدم فتجد الواحدة محمّلة بما لايقل عن طن… ولكنها مصممة هندسياً بصورة تجعل سحبها أو دفعها في شارع الأسفلت سهل جداً ولا يحتاج لقوة بدنية عالية رغم أن الأبدان هنا ما شاء الله عليها وكما قال أخونا المهل الطاهر (الناس دي هنا بتاكل صاح وتشتغل صاح) أما ما جاء في الأغنية المشار إليها (كيلو الباسطة كيلو العجالي) فهنا عادي زي الزبادي والزبادي هذا على قفا من يشيل… ياربي ماهي القيمة الغذائية لملاح الكرارة؟ … قصدت أن أقول هنا أن إنتاجية العامل المصري عالية جداً مقارنة مع إنتاجية العامل السوداني….
حكي لي ابن عمي الطاهر أحمد الصديق … رحمه الله رحمة واسعة وجعل قبره روضة من رياض الجنة ..قصة الصعايدي الذي عمل معه لمدة موسم واحد في حواشته…. بمشروع الجزيرة مكتب كاب الجداد… إذ زرع معه خضروات في مساحة لاتتجاوز الأربعة فدان فكان لا يخرج من الحواشة إلا للسوق لبيع الخضروات… أقسم لي الطاهر أن القروش التي دخلت عليه في موسم الصعايدي هذا لم يري مثلها قبله ولا بعده… وقدر ما حاوله الاستمرار معه رفض بحجه أن ما جمعه من مال بكفيه لإقامة المشروع الذي يوده في مصر..
أحد أولادنا الذين قذفت بهم الحرب إلى مصر والذي نزل سوق العمل لكي يكسب قوت يومه قال لي أنه يعمل “١٢” ساعة دون أن تنقص دقيقة مع عطلة يوم واحد في الأسبوع.. كان الأمر متعباً له في الأيام الأولى ولكنه اعتاد ذلك… واختتم كلامه معي بالقول إن سوق العمل واسع جداً في مصر وفي مقدور أي شاب أن يعمل لكن مشكلتنا نحن فترانين.. فقلت له كمان اتكاليين أي نعتمد على غيرنا في كل شي وكما قالت الأغنية المشار إليها حتى (الواي فاي من حسن جارو) في إحدى تقارير منظمة العمل الدولية جاء أن متوسّط نسبة الإعالة في السودان واحد الي سبعة عشر.. أما تقرير الامبوزمان فتقول متوسط عمل السوداني اليومي ستة عشرين دقيقة بينما بعض الدول متوسط عمل الفرد اليومي فيها يصل الثلاثة ساعات
في ذات ونسة مع أحد الحلاقين قال إن صالونه هذا عمره ١٠٣ سنة أي تجاوز القرن بثلاثة سنوات وأنه ورثه عن أبيه الذي ورثة عن جده وهو يعمل ١٦ ساعة في اليوم… يغلق من ستة صباحا إلى الواحدة ظهراً. الصالون مظهره الخارجي متواضع جداً.. ولكن في الداخل أدي ربك العجب كل شي فيه آخر صيحة… تذكرت الحكمة التي تقول (الثابتة نابتة).. ومن الواضح جداً أن الرجل يستثمر فوائض دخله في تطوير صالونه… وهذه السمة واضحة في مصر فكبريات المستشفيات الخاصة يملكها أطباء وكذا الشركات الهندسية يملكها مهندسون والمكاتب الاستشارية العالمية يملكها قانونيون… قصدت القول هنا أن كبار المهنيين يستثمرون في مجالات تخصصهم ومن هنا جاء التقدم المذهل في مجال الخدمات …. افتكر مافي داعي نتكلم عن استثمارات كبار المهنيين عندنا…
خلاصة قولنا هنا أن إنتاجية العامل المصري عالية جداً بالتالي ارتفعت إنتاجية الفدان الزراعي المصري والبقرة المصرية والمصنع المصري والمتجر المصري.. فالإنسان هو أساس التقدم والتطور.. أما لماذا ارتفعت إنتاجية العامل المصري دون غيره من شعوب الإقليم… فهذا يرجع لعوامل كثيرة نتركها لمناسبة أخرى.. ليس الغرض من هذا المنشور جلد الذات أو تكسير تلج إنما الغرض هو التنبيه إلى اننا في غفلة عن عيوبنا.. فالعوامل التي دفعت بالإنسان المصري لزيادة إنتاجيته توفرت لدينا ومن زمن ولكن بعض موروثاتنا وتقاليدنا والتي نراها حميدة قد حجبت عنا الرؤية… إننا نحتاج لمراجعات كثيرة وعاجلة وإن شاء الله يكون المليون ونص الذين جاءوا مصر بسبب الحرب وهم الآن راجعون للبلد قد أخدوا كورس من الشارع المصري.






