شهد احتفالات الولاية بعيد الجيش الـ”72″ البرهان من الخرطوم.. الخدمات ومعاش الناس

شهد احتفالات الولاية بعيد الجيش الـ”72″

البرهان من الخرطوم.. الخدمات ومعاش الناس

طالب بتخفيف معاناة المواطنين.. دعم الأنشطة الاقتصادية

مراجعة حظر التجوال وعدم إغلاق “الكافيهات”.. استعادة الحياة

إعادة بناء الدولة ومؤسساتها.. التحدّي الكبير

تقرير: محمد جمال قندول

احتفلت ولاية الخرطوم بالعيد الثاني والسبعين للجيش بحضور رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وسط حضور رفيع ظهر أمس السبت.
رئيس مجلس السيادة قدم خطاباً قوياً تناول فيه سيرة ومسيرة الجيش، كما ركز في كلمته على ملف الخدمات.
انتماء
وحيا رئيس مجلس السيادة حكومة ولاية الخرطوم، وعلى رأسها والي الولاية الأستاذ أحمد عثمان حمزة، تقديراً لصمودها خلال سنوات الحرب وتمسكها بالبقاء إلى جانب المواطنين والعمل على توفير الخدمات الضرورية لهم في ظل الظروف التي فرضتها الحرب.

جاء ذلك لدى مخاطبته أمس، بقاعة المجلس التشريعي احتفال ولاية الخرطوم بالعيد الثاني والسبعين للقوات المسلحة.

أشاد البرهان بالجهود الكبيرة التي بذلتها حكومة الولاية في إدارة الأوضاع الإنسانية والخدمية، مبيناً أن استمرار مؤسسات الولاية في أداء مهامها وتوفير الخدمات كان له الأثر الأكبر في صمود المواطنين والمساهمة في استعادة العاصمة وإسناد القوات المسلحة حتى دحر التمرد من الخرطوم.

وقال إن حكومة الولاية لم تكتفِ بإدارة الأزمة، وإنما بدأت العمل على إزالة آثار الحرب وإعادة الحياة إلى العاصمة، معبراً عن تقديره لهذا الدور، إذ قال: «نشد على أيديهم لأنهم تمسكوا بالبقاء من أجل المواطن».

وأكد رئيس مجلس السيادة أن القيادة العليا للدولة تدرك حجم المعاناة التي يعيشها المواطنون، خاصة الذين فقدوا مصادر رزقهم وممتلكاتهم ومقتنياتهم الخاصة بسبب الحرب، موجهاً بأن تعمل حكومة ولاية الخرطوم على تخفيف معاناة المواطنين من خلال التوسع في فرص العمل ودعم الأنشطة الاقتصادية والتجارية وتخفيف الأعباء عن أصحاب الأعمال وتهيئة البيئة المناسبة أمامهم لاستئناف نشاطهم بصورة طبيعية من أجل تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

وأعلن استمرار الدولة في دعم الخدمات الأساسية وإعادة إعمار المرافق الصحية ومحطات المياه وغيرها من المنشآت الخدمية، مشيراً إلى ضرورة تكامل الجهود الرسمية والشعبية من أجل إعادة بناء ما دمرته الحرب ووضع الخرطوم على طريق التعافي والاستقرار.

من جانبه، قال والي الخرطوم إن ما تحقق من انتصارات في معركة استعادة العاصمة جاء نتيجة للتضحيات الكبيرة التي قدمها أفراد القوات المسلحة والقوات المساندة لها، إلى جانب صمود المواطنين ووقوفهم خلف مؤسسات الدولة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة العمل بذات الروح من أجل إعادة الإعمار واستعادة الخدمات وتطبيع الحياة في ولاية الخرطوم.

استعادة الحياة

ويرى الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي د. إبراهيم شقلاوي أنه من الواضح أن توجيهات الرئيس البرهان بمراجعة حظر التجوال وعدم إغلاق الكافيهات، والتوسع في فرص العمل، تتجاوز في معناها مسألة تنظيم النشاط التجاري، إلى أهمية استعادة الحياة المدنية في الخرطوم بعد سنوات من الحرب.
ويشير شقلاوي إلى أن الخرطوم لا تستعيد عافيتها بعودة المؤسسات الحكومية وحدها، ولا بإزالة آثار الدمار من شوارعها، وإنما حين تعود إليها الأسواق والمطاعم والكافيهات والأندية والأنشطة الثقافية والاجتماعية، وتستعيد المدينة مساحاتها الطبيعية للقاء والحوار والعمل والإبداع والمسرح.
وهنا يمكن النظر حتى إلى «ستات الشاي» من زاوية مختلفة. فمع تحفظنا على بعض صور الممارسة غير المنظمة، فإن الحل ليس في إقصائهن من المشهد، وإنما في الارتقاء بالمهنة نفسها، عبر تنظيمها وتطوير بيئتها، وربطها بمساحات حضرية أكثر لياقة، وربما انتقال بعض هذه التجارب إلى مقاهٍ ومشروعات صغيرة منظمة توفر دخلاً أفضل وتحفظ كرامة العاملات.
وفي المقابل، تمثل الكافيهات والأندية الثقافية والاجتماعية وجهاً آخر للمدينة، فهي الأماكن التي تلتقي فيها السياسة بالفن، والثقافة بالمجتمع، ويجلس فيها الأكاديمي إلى جوار الصحفي، والفنان إلى جانب رجل الأعمال، وتتشكل فيها الأفكار والعلاقات والحوارات التي تمنح العاصمة روحها وألقها.
لذلك، فإن عودة الكافيهات والأندية الثقافية والاجتماعية ليست نشاطاً هامشياً، حسب شقلاوي، بل من مظاهر العاصمة الحضارية، ومن مؤشرات انتقالها من مدينة أنهكتها الحرب إلى مدينة تستعيد مجتمعها وحيويتها.
لكن حسب محدثي، نجاح هذه العودة يحتاج إلى توازن منتبه، أمنٌ لا يخنق الحياة، وتنظيمٌ لا يقتل النشاط، وبيئة اقتصادية تساعد أصحاب الأعمال بدلاً من إثقالهم، ومساحات عامة تحفظ للمدينة طابعها الاجتماعي والثقافي. فالخرطوم التي نريدها بعد الحرب ليست فقط خرطوم المباني التي أُعيد ترميمها، بل خرطوم الإنسان الذي عاد إلى مقعده في المقهى، وإلى ناديه، ومسرحه، وسوقه، ومكان عمله، ليبدأ من جديد صناعة الحياة.
رسائل
وحمل خطاب البرهان رسائل سياسية ووطنية، وتأكيداً على أن القوات المسلحة ليست مؤسسة تابعة لقبيلة أو حزب أو مكون عرقي، وإنما مؤسسة وطنية جامعة تضم في صفوفها مختلف مكونات الشعب السوداني، وفق حديث الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي عمار العركي.
وتأتي أهمية هذا التأكيد، حسب العركي، بأنه يضع مسألة وطنية القوات المسلحة في مواجهة مع محاولات اختزالها في توصيفات جهوية أو سياسية، ويعيد تعريف المعركة باعتبارها دفاعاً عن الدولة والشعب والسيادة، لا دفاعاً عن مكون بعينه. كما أن التفاف قطاعات واسعة من السودانيين حول الجيش خلال الحرب يؤكد أن المؤسسة، في الوعي الشعبي، ظلت تمثل عنواناً للدولة في مواجهة مشروع تفكيكها.
ويلفت العركي إلى أن التحدي لا ينتهي بانتهاء المعركة العسكرية؛ ولكن التحدي الحقيقي يبتدئ في إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، واستعادة الخدمات، وعودة النشاط الاقتصادي، وتهيئة الظروف لعودة المواطنين، وتحويل الانتصار العسكري إلى استقرار سياسي واجتماعي واقتصادي مستدام.
ويشير عمار إلى أن الرسالة الأهم في خطاب البرهان أن الجيش الذي دافع عن الدولة مطالب، بعد استعادة العاصمة، بأن يكون سنداً لمرحلة إعادة بنائها، بينما تتحمل الحكومة المدنية والتنفيذية مسؤوليتها الكاملة في معالجة آثار الحرب وتخفيف معاناة المواطنين.
وختم محدّثي قائلاً إن عيد القوات المسلحة هذا العام ليس مجرد مناسبة لاستذكار التضحيات، وإنما لحظة لإعادة تثبيت المعنى الوطني للمؤسسة العسكرية، وتأكيد أن المعركة لم تكن فقط لاستعادة الأرض، بل لحماية فكرة السودان نفسه، وأن المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال من معركة بقاء الدولة إلى معركة بناء الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top