د.عبد اللطيف البوني يكتب: «إثيوبيا …قالوا جنّت وما براها ..»

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

“إثيوبيا …قالوا جنّت وما براها ..”

(1)
في عام ١٩٨٧م عندما كان السيد الصادق المهدي رئيساً للوزراء.. اعتدت قوة إثيوبية على الحدود السودانية بحجة ملاحقة المتمرّدين ..فقامت الدنيا في السودان ولم تقعد ..واتخذت القوى المعارضة لحكومة الصادق الحادثة ذريعة للمزيد من النيل من حكومته …لم يصرّح السيد الصادق بأي تصريح حول الأمر ..وفي ثنايا مؤتمر صحفي لموضوع آخر… سأله أحد الصحفيين عن رد فعل حكومته على العدوان الإثيوبي… فرد عليه رداً مقتضباً وببلاغته المعهودة قائلا (أبو القدح بيعرف كيف يعضي رفيقه).
وقد كان.. فماهي إلا ايام معدودة وعادت الأمور إلى نصابها في الحدود بين البلدين…
السودان وإثيوبيا بحكم الجغرافيا والتاريخ يعرفان بعضهما معرفة لصيقة …يعرفان نقاط ضعفهما …ويمكن أن يطبقا سياسة تبادل الأذى إلى أبعد مدى… ولكنهما يعلمان جيداً إن الفناء بينهما سيكون متبادلاً…من الآخر كده نهاية إثيوبيا تعني نهاية السودان والعكس صحيح… وفي تمزيق السودان تمزيقاً لإثيوبيا …ويكفي أن نذكر هنا استقلال ارتيريا في ١٩٩٢م واستقلال جنوب السودان ٢٠١١م..مؤتمر القمة الافريقية في أديس أبابا ١٩٦٣م أقر مبدأ أساسياً هو الإبقاء على الحدود التي تركها المستعمر في كل أفريقيا كما هي ..لكن أكبر بلدين في أفريقيا السودان واثيوبيا خرجا على هذا المبدأ فخرجت من كل منهما دولة مستقلة كاملة الدسم ..لأنهما أمعنا في سياسة تبادل الأذى.. والآن اذا انفصلت دارفور ..لاسمح الله…فغرب إثيوبيا سوف يتبعها في رمشة عين …
(2)
اكبر تطور في العلاقة بين البلدين هو ما يحدث الآن …فإثيوبيا اليوم ” ما براها” ..هنا يمكن أن نستدعي العبقري الراحل محمد سالم حميد في قصيدة أمونة التي رأت في منامها ..حيطة تتمطى وتفلع في قفا الزول البناها ..ولما حكت للناس رؤاها …قالوا جنت ما براها …فإن كانت أمونة أصابها مس من الجنون .. فجارتنا إثيوبيا أصبحت ممسوسة بأجن مجانين عالم اليوم ….دولة الكيان التي أقسمت أن تمزّق كل المنطقة… وتنتهي من كل الخرائط القائمة ..إثيوبيا أصبحت عضواً فاعلاً في معسكر التقسيم لأنها موعودة بشاطيء طويل على البحر الأحمر.. . على حساب السودان وارتيريا ..إثيوبيا مسلحة تسليحاً متقدّماً اليوم …وقد استعرضت قوتها الأسبوع الماضي في الكرمك السودانية … وكانت حجتها إن السودان قد دعم متمرّدي التقراي عندها… لكن يبقى السؤال هل نسيت إثيوبيا إن السودان هو الآخر يمكن أن يدخل السوق العالمي… ويجن ويزيد في الجن ..ويتاجر في النخاسة السياسية .. ويتسلّح …ويمارس السياسة (القدحية) التي أشار إليها السيد الصادق أعلاه ؟ …لتكون النتيجة في النهاية تمزيق البلدين وفناء الشعبين….
(3)
في ظني أنه حتى الآن لم تنكسر الزجاجة ..وإن اندلق الكثير من السمن… وأنا هنا أراهن على وعي الشعبين السوداني والإثيوبي … لابل كل شعوب كل المنطقة ..خاصة المصري والارتري …يجب تحذير إثيوبيا من الانجرار خلف المخططات الدولية … يجب أن تعلم أنها ليست بمنجاة من أطماع دولة الكيان.. ..ويبقى بعد ذلك قضاياها مع الجيران.. .سد النهضة ووجود موطيء قدم على البحر الأحمر وبقية القضايا …وهذه تتطلب وجود كل دول حوض النيل الشرقي أي النيل الأزرق… .وكل هذه القضايا يمكن حلها …هذا النيل الأزرق يجمع بين البلدان الثلاثة …وحوض النيل يضيف إليهما إريتريا ودولة جنوب السودان …كل هذه الدول أصبح مصيرها مشتركاً رغما عنها …فأما تغرق كلها أو تطفح كلها ..شعوب الحوض يمكن أن تتعايش في سلام إلى يوم الدين …ولكن قل لي ياصاح متى تكون للشعوب كلمة؟!…وما أسوأ أن تكون شعباً ..كما قال عم سيد رحمه الله وهو يعتلي صينية شارع القصر …. .. ..والماظ ميزي تانو ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top