موجات نزوح واسعة من كردفان والنيل الأزرق
هجمات التمرّد ..تشريد المدنيين
“40” ألف يفرون من قيسان..معاناة
أزمة إنسانية تتفاقم في الدمازين والأبيض..منظمات تحذّر
نساء وأطفال بلا غذاء ولامأوى وسط الأمطار.. جرائم الجنجويد
تقرير :رحمة عبدالمنعم
عشرات الآلاف يفرون من مناطق القتال في قيسان وشمال كردفان، وسط أوضاع إنسانية قاسية ونقص في الغذاء والدواء والإيواء، فيما تتسع دائرة المعاناة مع استمرار هجمات المليشيا على المناطق المأهولة بالسكان.
موجات نزوح
ودفعت الهجمات المتواصلة للمليشيا في مناطق من شمال كردفان وإقليم النيل الأزرق إلى موجات نزوح جديدة، أجبرت عشرات الآلاف من المدنيين على مغادرة منازلهم والفرار إلى مناطق أكثر أمنًا، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الإنسانية بسبب الأمطار ونقص الغذاء والدواء ومواد الإيواء.
وتكشف التطورات الأخيرة حجم المأساة التي يعيشها المدنيون، بعدما تحولت مدن وقرى كانت تضم آلاف الأسر إلى مناطق طاردة للسكان بفعل هجمات الجنجويد، لتجد النساء والأطفال وكبار السن أنفسهم في طرق النزوح، يحملون ما استطاعوا من ممتلكاتهم ويتركون وراءهم منازلهم ومصادر رزقهم.
وفي محلية قيسان بإقليم النيل الأزرق، قالت منظمة مناصرة ضحايا دارفور إن نحو 40 ألف مواطن نزحوا إلى مناطق ديم سعد وود الماحي والكار ومناطق أخرى، على خلفية العمليات العسكرية والهجمات التي شهدتها المنطقة،وبحسب المنظمة، يشكل النساء والأطفال وكبار السن النسبة الأكبر من النازحين، فيما اضطر عدد من الأسر، مع هطول أمطار الخريف، إلى حمل أمتعتهم في المراكب وعبور النهر هربًا من مناطق الخطر.
وتحولت رحلة النجاة بالنسبة إلى هؤلاء إلى معاناة أخرى، إذ يواجه النازحون نقصًا حادًا في الغذاء ومياه الشرب ومواد الإيواء والخدمات الصحية، بينما وصلت بعض الأسر إلى مناطق النزوح دون الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.
استمرار الهجمات
وتأتي هذه الأوضاع في ظل استمرار هجمات المليشيا، التي تسببت في دفع السكان إلى مغادرة مناطقهم، لتتسع بذلك رقعة الأزمة الإنسانية في إقليم النيل الأزرق، وتصبح حياة آلاف المدنيين مرتبطة بما يمكن أن يصل إليهم من مساعدات إنسانية محدودة.
وفي مدينة الدمازين، أعلنت شبكة أطباء السودان وصول أكثر من خمسة آلاف نازح من منطقة قيسان عقب الهجمات الأخيرة، مؤكدة أن الوافدين يعيشون ظروفًا إنسانية بالغة الصعوبة.
وحذرت الشبكة من أن نقص الغذاء والدواء ومياه الشرب ومواد الإيواء، إلى جانب الأمطار الغزيرة، قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الصحية وانتشار الأمراض، خاصة وسط الأطفال والنساء وكبار السن.
وطالبت المنظمات الإنسانية والأممية والجهات المختصة بالتحرك العاجل لتوفير الاحتياجات الأساسية وضمان وصول المساعدات إلى المتضررين دون عوائق، في ظل تزايد أعداد النازحين وتراجع قدرة المناطق المستضيفة على استيعاب مزيد من الأسر.
شمال كردفان
و تشهد كذلك شمال كردفان بدورها موجات نزوح متصاعدة نتيجة اتساع رقعة العمليات العسكرية والهجمات على مناطق مدنية،وبحسب البيانات الواردة، قدرت المنظمة الدولية للهجرة عدد النازحين من أم عردة والمناطق المجاورة بأكثر من 4200 شخص خلال يومين فقط، في مؤشر على سرعة تدهور الوضع الأمني وحجم الخوف الذي يدفع المدنيين إلى مغادرة منازلهم بصورة عاجلة.
وتشير هذه الأرقام إلى أن المدنيين أصبحوا يدفعون الثمن الأكبر مع استمرار هجمات المليشيا وتحول عدد من القرى والمناطق السكنية إلى ساحات للمواجهات.
ففي كثير من الحالات، لا تملك الأسر وقتاً كافياً لجمع ممتلكاتها أو الاستعداد للنزوح، وإنما تغادر تحت ضغط الخطر المباشر، تاركة خلفها كل ما تملكه تقريبًا.
ولا تنتهي المعاناة بمجرد الابتعاد عن مناطق الهجمات،فقد أدى تدهور الأوضاع الأمنية في شمال كردفان إلى تعطيل جانب من العمليات الإنسانية، واضطر شركاء العمل الإنساني إلى تعليق الأنشطة والخدمات الصحية في منطقة المزروب لأكثر من أسبوعين، رغم وجود تفشٍ لوباء الكوليرا.
ويضع هذا الواقع آلاف المدنيين أمام أزمة مركبة،فمن ينجو من الهجمات يواجه الجوع والمرض وانعدام الرعاية الصحية، بينما تصبح الفئات الأكثر ضعفًا، وعلى رأسها الأطفال وكبار السن والحوامل، في مواجهة مخاطر إضافية.
النيل الأزرق
وفي النيل الأزرق، أفادت الأمم المتحدة كذلك بأن تجدد القتال في مناطق قيسان والكرمك والمناطق المجاورة أدى إلى نزوح نحو 5400 شخص، وفق تقديرات المنظمة الدولية للهجرة، وهو ما يعكس استمرار حركة النزوح واتساع نطاقها مع استمرار العمليات العسكرية.
وتكشف موجات النزوح المتزامنة في كردفان والنيل الأزرق عن أثر مباشر للهجمات على حياة المدنيين، إذ لم تعد الخسائر مرتبطة بالقتلى والجرحى فقط، وإنما تمتد إلى تفريغ مناطق كاملة من سكانها وحرمان آلاف الأسر من مساكنها وأعمالها ومصادر دخلها.
ومع كل هجوم جديد، تتزايد أعداد من يحتاجون إلى الغذاء والدواء والمياه النظيفة والخيام، بينما تعاني الاستجابة الإنسانية أصلًا من نقص حاد في الموارد،وبحسب الأمم المتحدة، لم تحصل خطة الاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2026 سوى على 41% من التمويل المطلوب، إذ جرى توفير 1.2 مليار دولار فقط من أصل 2.9 مليار دولار تحتاجها العمليات الإنسانية في البلاد.
ضغوط متزايدة
ويعني هذا العجز أن استمرار هجمات المليشيا واتساع دائرة النزوح يضعان المنظمات الإنسانية أمام ضغوط متزايدة، في وقت تحتاج فيه آلاف الأسر إلى تدخل عاجل لإنقاذ حياتها.
وتتجاوز المأساة الأرقام الواردة في التقارير والبيانات، إذ يقف خلف كل رقم طفل فقد منزله، وأم تبحث عن الطعام والمأوى لأبنائها، ومسن أنهكته رحلة النزوح، وأسرة لا تعرف متى ستتمكن من العودة إلى قريتها.
ومن قيسان إلى الدمازين، ومن أم عردة إلى مناطق شمال كردفان، تتكرر الصورة ذاتها: هجمات للمليشيا، يتبعها فرار جماعي للمدنيين، ثم تبدأ رحلة أخرى من المعاناة في مناطق النزوح.
وفي ظل استمرار استهداف المناطق المدنية واتساع العمليات العسكرية، تتزايد المخاوف من أن تتحول موجات النزوح الحالية إلى كارثة إنسانية أكبر، ما لم تتوقف الهجمات ويُضمن وصول المساعدات، وتُوفر الحماية للمدنيين.






