داليا الياس تكتب:حين تمطر الذاكرة

اندياح

داليا الياس

حين تمطر الذاكرة

ما أقسى أن يهطل الخريف في السودان ونحن بعيدون!…أن تصلنا صور المطر من شوارع الخرطوم….فتتسلّل إلى قلوبنا قبل أعيننا…وكأن كل قطرة ماء تهبط هناك توقظ في داخلنا ذكرى…وتفتح نافذة قديمة على وطنٍ لم نغادره حقاً ولم يغادرنا أبداً…وإن إبتعدنا عنه بالجسد.
الخريف في السودان ليس مجرد فصل من فصول السنة… ولا مجرّد غيوم تتكاثف في السماء ومطرٍ يروي الأرض… الخريف عندنا حالة وجدانية كاملة، ذاكرة لها رائحة وطعم وصوت…. رائحة التراب المبتل، وعبق الأشجار، وصوت المطر وهو يطرق أسطح المنازل، ومشهد الأطفال وهم يركضون في الشوارع بفرحٍ لا يعرف سبباً ولا يحتاج إلى تفسير.
في الغربة، عندما نرى المطر يهطل، لا نتذكر الطرقات المنظمة ولا الشوارع الصاخبة التي إعتدنا عليها هنا…بل نقفز مباشرة إلى السودان…. إلى بيوتنا القديمة، إلى أحيائنا، إلى الأزقة التي تتحول إلى برك من الماء، وإلى أصوات الأمهات وهن يطالبن أبناءهن بالدخول، بينما الأطفال يصرون على البقاء تحت المطر دقائق أخرى…وإلى شباب الحى وهم يفتحون المجاري والسبلوقات.
نتذكر جلسات الشاي في الخريف…ورائحة القهوة وهي تمتزج برائحة الدعاش… ونوافذ البيوت المفتوحة على السماء… والحديث الذي يطول مابين نشوى وضحك لأن المطر دائماً يجعل للحديث أبعاداً مختلفة ومبهجة.
يسوقني الحنين اليوم لطقوسي مع المطر… أغانينا.. وضحكاتنا… ووجوه الناس الذين فرقتنا عنهم المسافات والظروف…. للمشاوير التي نفتعلها… والمشاعر التي تعترينا…
ويا لوقع الحنين…حين يصبح المطر رسالة من الوطن … وتتحول صورة غيمة فوق سماء الخرطوم أو مدني أو أم درمان أو أي بقعة من أرض السودان إلى مشهد يهز القلب ويستدر الدموع…نحن نمضي أيامنا في الغربة… وتتغير تفاصيل حياتنا وعاداتنا اليومية… وتمضي بنا السنوات… لكن هناك أشياء لا تتغير أبداً… من بينها علاقتنا بالخريف السوداني الذي يذكرنا بنسختنا القديمة النقية…. فنشتاق إلى أنفسنا قبل أن تثقلنا المسؤوليات وتشردنا الحرب…وقبل أن تأخذنا الطرق إلى أماكن لم نكن نخطط لها…لقد أصبحنا كتلة من الحنين….نحّن إلى اللهجة…. وإلى الفوضى الجميلة التي كنا نتذمر منها أحياناً…بل إننا أصبحنا نحّن حتى للمعاناة التي كنا نشكو منها ثم إكتشفنا بعد الغربة أنها كانت جزءاً من دفء الحياة.
إن الخريف في الخرطوم يعيد إلينا كل الشجن كل ذلك دفعة واحدة….وما بين صورة مطر تصلنا عبر الهاتف…ومكالمة من أحدهم تقول: (الليلة كان عندنا مطرة مبالغة )… يقف المغترب أمام ذاكرته عاجزاً عن مقاومة الأشواق الصاخبة… يتمنى لو يستطيع أن يعبر الشاشة… أن يلمس تراب وطنه المبتل… وأن يقف تحت تلك السماء ولو لدقائق ليغتسل من هجير الغياب.
ربما لهذا السبب يكون الخريف في الغربة أكثر قسوة وجمالاً في الوقت نفسه….جميل لأنه يحمل الوطن إلينا… وقاسٍ لأنه يذكرنا بأننا لسنا هناك.
ورغم كل ما مرّ به السودان… ورغم الحزن والجراح التي حملتها السنوات الأخيرة، يبقى الخريف وعداً قديماً بالأمل… فبعد كل حرٍّ يأتي المطر… وبعد كل جفاف تعود الحياة إلى الأرض…وكأن الطبيعة نفسها تقول لنا إن ما يبدو ميتاً قد يزهر من جديد….
نحن الذين نعيش بعيداً عن السودان… ننتظر الخريف كل عام بقلوبٍ متناقضة…نفرح لأن الوطن إبتلّ بالمطر…نتفاءل بإخضرار الزرع وإمتلاء الضرع … ونبكي مع السماء ونحن نبتسم للصور..ويتجدد فينا الإيمان بأن الوطن يسكننا أكثر مما نسكنه….وأن الغربة مهما طالت لا تستطيع أن تمحو رائحة المطر من ذاكرتنا… ولا صوت الأذان المختلط بصوت الرعد… ولا ملامح الوجوه التي تركناها خلفنا…ولا تلك الأمنية البسيطة والعظيمة التي ترددها قلوبنا دائماً:(حتماً نعود).
إن بعض الأمطار لا تسقط من السماء فقط…بل تهطل داخل القلوب …فيزهر الحنين.
*تلويح
مطر الحزن عاود هطل…جدد عذاب الأرصفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top