حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
الجزيرة والبنك الدولي..
(1)
نجاعة التنظيمات السياسية والعقدية لاتقاس بعدد عضويتها… فقد تكون محدودة… ولكنها تُقاس بتأثيرها العام على مجريات السياسة العامة… .لعل قوة التأثير تظهر في الخصوم المباشرين ..فالتنظيم الشيوعي وتنظيم الاخوان المسلمين وتنظيم أنصار السنة… كان لهم تأثير كبير يفوق عضويتهم الملتزِمة بكثير… وهذه قصة قد نرجع لها ذات يوم ..الحزب الشيوعي كان المؤثر الأكبر في ستينات وسبعينات القرن الماضي…. رغم حله في ١٩٦٥م ورغم نكبة انقلاب يوليو ١٩٧١م …فبعد ثورة أكتوبر ١٩٦٤م …تبنّت كل الأحزاب الطرح الاشتراكي ولكي تبتعد عن الحزب الشيوعي… ظهرت الاشتراكية العربية… والاشتراكية الإسلامية.. والاشتراكية السودانية …واشتراكية المؤمنين …وفي سبعينات ذلك القرن ظهرت معاداة البنك الدولي …وكان شعار كل المظاهرات ضد مايو (لن يحكمنا البنك الدولي)… وهو من تصميم الحزب الشيوعي….
من خارج الحزب الشيوعي ظهر أكاديميان سودانيان متميّزان في جامعة الخرطوم… وجها نقداً قوياً ومستمراً لسياسات البنك الدولي… هما الراحلان البروفسور محمد هاشم عوض… والبروفسير علي عبد القادر …لدرجة أن البنك الدولي وفي نشرة رسمية له وفي سابقة تكاد تكون الأولى من نوعها …هاجمهما ووصفهما بضيق الأفق ….
بالمقابل هناك رأي سوداني ليبرالي معتدل يرى في البنك الدولي ما لايراه فيه خصومه.. وأن التعاون معه مفيد ..وهناك من يرى البنك الدولي كأكبر مؤسسة مالية دولية شر لابد منه… .نعم هو أداة من أدوات الرأسمالية الدولية.. لكن لاغنى للدول النامية عن التعاون معه.. والاستفادة من إمكانياته المهولة …بعد نهاية الحرب الباردة ونهاية المد الاشتراكي خفت وإن لم نقل سكت الكلام عن البنك الدولي… فأصبح يصول ويجول على كيفه …ومازلت أذكر طرفة أستاذنا الراحل البروفسور حسن أحمد ابراهيم عندما قال في ذات ونسة (تعرف يا بوني تاني الناس حا تهتف لن يحكمنا إلا البنك الدولي).
(2)
لدينا مشكلة كبيرة وهي عدم التفريق بين البنك الدولي وصندوق النقد الدولي… رغم أنهما توأم وصدرا من مشكاة واحدة لكن هناك فرق بينهما ..فصندوق النقد الدولي هو صاحب الروشتة المعروفة التي تفرض على الدول هيكلة الاقتصاد… والخصخصة وتقليل الوظائف العامة… وتعويم العملة
…بالمقابل البنك الدولي بتعامل مع الدول خاصة الفقيرة تعاملاً خاصاً إذ يعطيها المنح والقروض التنموية.. بآجال طويلة.. وأرباح قليلة لاتتجاوز البضع في المية …مع فترة إعفاء مقدرة.. ويقدم المعونات والمساعدات الفنية… والسودان له معه تاريخ طيب… يكفي هنا أن نشير إلى أن حكومة السودان ذات يوم شكت لطوب الأرض عندما أوقف البنك الدولي تعاونه معها لأنها لم تسدّد فوائد القروض.. واعتبر ذلك امتداداً للضغوط الأمريكية عليها إلى أن جاءت حكومة دكتور حمدوك فأقرضتها الولايات المتحدة قرضاً ليدفع السودان للبنك الدولي الحد الأدنى المطلوب من المستحقات ليقوم البنك الدولي بفك الأموال التي كانت مخصّصة للسودان ويتواصل تعاونه معه فيقوم السودان بتسديد القرض الأمريكي في الساعة والحين… (أمال إيه تحسبوا لعب)…
فيما يتعلّق بالجزيرة فقد قدّم البنك الدولي الكثير من المنح والمعونات …خاصة في مجال الري ولكن في تقديري إن أهم ما قدّمه للجزيرة يقع في مجال السياسات والتشريعات … فأكبر قفزة في علاقات الإنتاج في ١٩٨٣م بدخول الحساب الفردي ليحل محل الحساب المشترك .. وقانون ٢٠٠٥م الذي أعطى المزارع حرية اختيار المحصول الذي يريد ..كلها من دراسات وتوصيات البنك الدولي ..ولولا البنك الدولي لظل مشروع الجزيرة محلك سر… إذ كان عندما يتوفى الأب يتهرّب الأبناء من توريثهم الحواشة.. أها تعال شوف الليلة الحواشة.. .لقد أصبحت لها قيمة …قانون ٢٠٠٥م ومن الذي أجهضه وتعديله في ٢٠١٤ مستكون لنا معه وقفة أخرى
(3)
منحة البنك الدولي التي تنفذها الCRS يمكن اعتبارها امتداد طبيعي لأيادي البنك الدولي البيضاء على الجزيرة… واستغلال المنحة استغلالاً طيباً سوف يشجّعه للمزيد … ولإقناع المؤسسات المالية العالمية للاستثمار في الجزيرة …أما دخول منظمة CRS
كوسيط ومنفّذ للمنحة والمقابل الذي أخذته فدة ما شغلتنا نحن ..الذي يهمنا هو معرفة حجم المنحة وما وصلنا منها ..الذي يلينا نحن العناصر المحلية التي (دخلت عودها في الشغلانة).. هل ما قامت به كان ضرورياً؟ وهل وصلت كل المنحة للمستفيد الأول الذي هو المزارع ؟ وهل استفاد منها الفائدة المرجوة … وكم كان مجمل التكلفة الإدارية ؟.. وهل هناك بعض عناصر المنحة يمكن أن يتلقاها المزارع بدون وسيط ؟… تقليل الوسطاء… لا نقول السماسرة ..وتقليل التكلفة الإدارية ووصول أكبر قدر من المنحة للمزارع ينبغي أن يكون الهدف الذي نسعى عليه …
أما إذا سألتني عن رأيي الشخصي عن أفضل سبل التمويل في وقتنا الحاضر …لقلت لك الشراكة التعاقدية التي أثبتت نجاعتها وقابليتها للتطوير لكن الجماعة الطيبين ولامبالاة المزارع ضيّعتها وإلى حين ذلك مدوا قرعتكم وابحثوا عن مزعة ليوم القيامة ..






