المليشيا حرمتهم من الطعام واذاقتهم فصولاً من العذاب
معتقلو السريحة.. الجحيم فى زنازين الجنجويد
تحرير السريحة يكشف حجم المأساة في سجون المليشيا
خرجوا بأجساد منهكة وخطوات متثاقلة وعيون ذابلة البريق
الجوع كان أقسى من الرصاص في سجون الجنجويد ..
الجوع والتنكيل يحفران الألم في ذاكرة المنطقة
أجساد المعتقلين الهزيلة تفضح وحشية الجنجويد
تقرير :رحمة عبدالمنعم
حين دخل الجيش إلى منطقة السريحة بولاية الجزيرة وحررها من دنس المتمردين قبل يومين ، لم يكن المشهد مجرد استعادةٍ لبلدةٍ منكوبة، بل كان انكشافاً لجرحٍ غائر ظلّ ينزف بصمت خلف الأسوار المغلقة، خرج المعتقلون أخيراً، لكنهم لم يكونوا كما كانوا قبل أن تبتلعهم زنازين الدعم السريع. أجسادهم الهزيلة لم تكن بحاجة إلى كلماتٍ تروي ما جرى لهم، فقد كانت العظام النافرة، والوجوه الغائرة، والعيون التي فقدت بريقها، كلها شهاداتٍ صامتة على أيامٍ طويلة من العذاب والجوع.
لم يكن أحد يتوقع أن يكون حالهم بهذه القسوة، فحتى في زمن الحرب، هناك حدٌ أدنى من الإنسانية، لكن ما كُشف عنه في السريحة كان أبعد ما يكون عن ذلك، كانت الزنازين التي خرجوا منها تشبه قبوراً مؤقتة، وكان الزمن قد توقف بداخلها، لا شيء سوى الجوع والعطش والانتظار.. انتظارٌ طويلٌ لا يدري صاحبه إن كان سيؤدي إلى النجاة أم إلى الفناء البطيء.
قرية تحت أنقاض الموت
السريحة، تلك القرية التي لم تكن تتوقع أن تتحول إلى مسرح لمجزرةٍ مروعة، شهدت واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع منذ اجتياحها المنطقة، قُتل فيها أكثر من 124 شخصًا، وأصيب نحو 200 آخرين، وفقًا لهيئات حقوقية ومدنية، فيما ظلّ الرقم الحقيقي مجهولًا في غياب إحصاءاتٍ رسمية، كانت الدماء تجفّ قبل أن تجد من يوثقها، والجثث تُترك في العراء، بينما كان من تبقوا أحياءً، بين معتقلٍ أو مشرد، يحاولون فقط أن يبقوا على قيد الحياة.
كان الموت حاضراً في كل زوايا السريحة، ليس فقط عبر الرصاص، بل بالجوع أيضاً، فقد تحولت قلة الطعام في زنازين الجنجويد إلى أداةٍ أخرى للإذلال والمعاقبة. لم تكن المسألة مجرد حرمانٍ من الغذاء، بل كانت جزءًا من سياسةٍ ممنهجة تهدف إلى تحطيم الإنسان، إلى جعله يتآكل ببطء، جسداً وروحاً، إلى جعله يفقد أي قدرةٍ على المقاومة حتى لو بالكلمة أو بالنظرة.
تجويع المعتقلين
المعتقلون الذين ظهروا في صور على مواقع التواصل الإجتماعي بعد تحرير السريحة، كانوا أشبه بظلالٍ لإنسانٍ كان يوماً ما مكتملًا ،كان الجلد قد التصق بالعظام، وكانت العيون تغوص عميقاً في الوجوه، كأنها تبحث عن حياةٍ ضائعة في أعماق الجسد المنهك ،لم يكن هناك شيء أقسى من مشهدهم وهم يخرجون إلى الضوء بعد أيامٍ أو أسابيع أو ربما أشهرٍ من الحرمان ،كان الجوع هو العدو الذي لم يترك لهم خياراً سوى التعلق بالحياة بأي شكلٍ ممكن.
كانوا يحصلون على القليل من الطعام، بالكاد ما يكفي لإبقاء أجسادهم تعمل، وأحياناً لا شيء على الإطلاق ،لم يكن التجويع مجرد إهمالٍ عابر، بل كان أداةً محسوبة بعناية، وسيلةً للسيطرة، وسلاحاً يجعل المرء أضعف من أن يحلم بالنجاة ،في داخل تلك الزنازين، لم يكن أحدٌ يدري إن كان سيعيش ليومٍ آخر أم أن الجوع والعطش سيقضيان عليه قبل أن يأتي الرصاص ليضع حداً لكل شيء.
السجن بلا جدران
لكن معاناة معتقلي السريحة لم تتوقف عند حدود الجوع والعطش، بل امتدت إلى ما هو أبعد من ذلك.. إلى العزلة التامة، إلى الشعور القاتل بأن لا أحد يعلم بوجودهم، إلى الخوف من أن يتحولوا إلى مجرد أرقامٍ في قائمة المفقودين، لا يعرف عنهم أحد شيئاً بعد أن تنتهي الحرب.
وحين جاءت لحظة التحرير، خرجوا.. لكنهم لم يعودوا كما كانوا ،كانت خطواتهم متثاقلة، وكأنهم لم يعتادوا على المشي مجدداً ، وكانوا يمشون في الشوارع وكأنهم يخرجون إلى العالم للمرة الأولى. لم تكن هناك دموعٌ أو صيحات فرح، بل فقط صمتٌ ثقيل، وعيونٌ تائهة تحمل ألف حكاية لم تُروَ بعد.
خرجوا من المعتقل ، لكن هل خرجوا حقًاً من المحنة؟ هل يمكن لمن مرّ بكل هذا الألم أن يعود إلى الحياة بشكلٍ طبيعي؟ هل يكفي الطعام ليعيد إليهم صحتهم، أم أن هناك شيئًا قد كُسر في داخلهم إلى الأبد؟
جرحٌ مفتوح في قلب الحرب
السريحة لم تكن مجرد قرية اجتاحتها الحرب، بل كانت شاهدًا على وحشيةٍ لم يعرف لها السودان مثيلًا من قبل ،القتلى الذين سقطوا في المجزرة، والمعتقلون الذين خرجوا بأجسادٍ لا تزال تحمل آثار العذاب، والنساء اللواتي فقدن أزواجهن وأبناءهن، كلهم شهودٌ على مأساةٍ لا يمكن أن تُنسى بسهولة.
في زوايا القرية، لا تزال آثار المجزرة حاضرة، بقايا البيوت التي تهدمت، والأزقة التي شهدت المطاردات، والطرقات التي نزفت عليها الجراح حتى جفت، وفي زوايا النفوس، لا تزال الندوب غائرة، والذكريات تطارد من عاشوا هذا الجحيم.
السريحة اليوم ليست مجرد اسم على الخريطة، بل هي جرحٌ مفتوح، قصةٌ تُروى للعالم عن ماذا يعني أن تُنتزع إنسانية الإنسان، عن كيف يمكن للحرب أن تحول قريةً آمنة إلى مسرحٍ للدم، وعن كيف يمكن للجوع أن يكون أفظع من الرصاص.
في النهاية، حين تهدأ الحرب، وحين تعود الحياة إلى المدن والقرى، سيظل هناك شيءٌ واحدٌ لا يمكن إعادته أبدًا،. تلك الأرواح التي تحطمت، وتلك الأجساد التي ذاقت الجوع.






