للحقيقة لسان
رحمة عبدالمنعم
“عُمران السودان”.. صوت الحقيقة وسط ركام الحرب
في زمنٍ تحاول فيه الدعاية المُضلِّلة طمس الحقيقة، ينبري الإعلامي سوار الذهب علي ليكون شاهداً على الألم، راصداً للحقيقة، وناقلًا لما يجري في السودان بلا مواربة، عبر برنامجه الوثائقي “عُمران السودان”، الذي بُثّت منه أربع حلقات حتى الآن عبر شاشة الجزيرة وصفحته على يوتيوب، استطاع أن يحمل كاميرته ويمضي إلى قلب المأساة، غير آبه بالمخاطر، ليكشف للعالم أهوال الحرب، وينقل صور الدمار التي خلّفتها المواجهات في بحري وأم درمان وغيرها من المدن التي طالها الخراب.
ليس سهلاً أن تسير وسط الأنقاض، أن تطأ قدماك أرضاً كانت عامرة بالحياة وأصبحت أطلالًا، أن تلتقي بوجوه أنهكها الحصار والجوع والخوف، لكن سوار الذهب وطاقم البرنامج فعلوا ذلك بشجاعة تُحسب لهم، ليُسمعوا صوت من بقوا هناك، أولئك الذين لم يكن لهم نصيبٌ في الهروب أو لم يختاروا الرحيل، فظلوا صامدين وسط الجحيم، يروون بمرارة تفاصيل العيش تحت القصف، وحكايات الموت المتربّص في كل زاوية.
تسلّلت عدسة البرنامج بين المباني المنهارة، والأسواق التي غدت أطلالاً، والأزقة التي يلفّها صمت الكارثة، والمرافق التي تهاوت واندثرت.. وكشفت عن أنينٍ خافت يختبئ بين جدران الخراب وملامح الناجين،كل مشهدٍ كان يروي مأساة، وكل زاويةٍ تحكي عن وجوهٍ كانت هنا ذات يوم، تبتسم للحياة قبل أن تخطفها الحرب، وقف البرنامج عند أبواب البيوت التي ما زالت مأهولة، حيث تسكن المأساة خلف الأبواب الموصدة، وحيث يُسمع وجع الفقد في صوت امرأةٍ تحتضن بقايا منزلها المدمر، أو في عين طفلٍ يبحث عن ألعابه بين الركام.
ما يُميّز “عُمران السودان” ليس فقط المشاهد الصادمة التي يعرضها، بل تلك اللمسة الإنسانية التي تجعل المُشاهد لا يكتفي برؤية الحدث، بل يشعر بمرارة تفاصيله، بلحظات الألم التي تمر بها الأسر المحاصرة، بنظرات الأطفال الذين فقدوا أحلامهم، وبوجع الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، إنه برنامج يُبكيك، ليس فقط لأنه يعرض مشاهد قاسية، بل لأنه يجعلك تتلمّس المعاناة، وكأنك تعيشها بنفسك.
مثل هذه البرامج يجب أن تُشجَّع، لأنها تكسر الحصار الإعلامي المفروض على الحقيقة، وتنقل للعالم واقعاً لا يمكن التلاعب به أو تزويره، فالإعلام ليس مجرد كلماتٍ تُقال، بل هو مسؤولية، وسوار الذهب أثبت أنه جدير بهذه المسؤولية، بإصراره على كشف المستور، وعرض السودان كما هو، لا كما يراد له أن يُرى.
تحيةٌ له، ولكل فريق “عُمران السودان”، أولئك الذين خاطروا بحياتهم ليُسمعوا صوت المكلومين، وليكتبوا الحقيقة بعدساتهم قبل أقلامهم ،ففي زمن الحرب، تبقى الحقيقة أعظم سلاح.






