عاد إلى شمبات بعد انتصار الجيش وأطلق مبادرة (نحنا رجعنا )… طه سليمان.. صمود الرجال ومواقف الأبطال

عاد إلى شمبات بعد انتصار الجيش وأطلق مبادرة (نحنا رجعنا )…

طه سليمان.. صمود الرجال ومواقف الأبطال

(الضرس)نجم رفض الرحيل فكبر في عيون الوطن..

شمبات تفتح ذراعيها لابنها البار “طه سليمان” بعد النصر

حكاية صمود بين نيراب الحرب ومساعدة المحتاجين .

صوت لم يخفت تحت القصف ورجع ليرفع الأذان في مسجد الحي ..

الكرامة :رحمة عبدالمنعم
حين تشتدّ المحن، تتجلى معادن الرجال، وتكتب المواقف سطور الوفاء في دفتر الزمن، هكذا كان حال الفنان طه سليمان، ابن شمبات البار، الذي رفض مغادرتها رغم دوي المدافع وتطاير الشظايا، صامداً وسط شعبه، مشاركاً في آلامهم، صانعاً للأمل وسط الركام وقد غادرها في منتصف ديسمبر 2023م و.لم يكن خروجه منها هروباً، بل كان انحناءة عابرٍ أمام عاصفة لا ترحم. حين اضطر طه سليمان إلى مغادرة شمبات، لم يكن ذلك خوفاً أو استسلاماً، بل كان قلب ابنٍ يخفق بقلق على والدته وسط مدينة أنهكها غبار الحرب وأطفأت نيرانها شموع الحياة. غادر مضطرًاً، لكنه ترك في شوارعها أثر خطواته، وفي مساجدها صدًى لصوته، وفي قلوب أهلها ذكرى رجل اختار الصمود حتى آخر لحظة.
واليوم، بعد أن استعادت الخرطوم نبضها بانتصارات الجيش، عاد طه إلى شمبات كما يعود الطائر إلى عشه، عاد إليها وفي عينيه حكايات صمود، وفي قلبه شوق لا تطفئه المسافات. لم يكن عائداً فقط، بل كان شاهداً على زمن الحرب، وعلى مدينة لم تغادره كما لم يغادرها أبدًا.

الوفاء في زمن الحرب
لم يكن طه سليمان مجرد فنان يمتلك صوتاً شجياً وألحاناً عذبة، بل أثبت أنه ابن الأرض التي نشأ فيها، لم يتخلَّ عنها في أحلك الظروف، وظلَّ يتنقل بين أزقتها وحواريها، يمد يد العون، يواسي القلوب المكلومة، ويبعث الدفء في ليالي الحرب ، لم يكن صموده مجرد قرار عابر، بل موقف رجل اختار أن يكون حيث ينتمي، حيث الجراح النازفة وحيث الحاجة إلى صوت لا يغني هذه المرة، بل يواسي ويبني.
لكن للظروف أحكامها، وكما قال يوم مغادرته في ديسمبر 2023: “مجبراً أخاك لا بطل”. لم يكن الرحيل عن شمبات خياراً، بل فرضته قسوة الحياة وانعدام الرعاية الصحية لوالدته، ليخرج طه وهو يترك قلبه معلقاً بين جدران البيوت المهدّمة، وينظر خلفه نظرة الوداع على المدينة التي صمد فيها تسعة أشهر تحت القصف.

العودة بعد النصر
وكما كان خروجه قاسياً، كانت عودته مشرقة بنور الانتصار. عاد طه سليمان إلى شمبات بعد أن استعادت الخرطوم عافيتها بانتصارات الجيش، وعادت الحياة تدبّ في شوارع المدينة التي عشقها. لم تكن عودته عادية، بل جاءت محملة بالرسائل، عودة تليق بفنان حمل همّ الوطن في قلبه، فكان أول ما فعله أن واصل دعمه لأبناء منطقته، مشاركاً في مشروع “نحن رجعنا”, تلك المبادرة التي تنفض عن المدينة غبار الحرب، تعيد إليها صوت الأذان في مساجدها، وتبعث الأمل في نفوس أهلها.
وقف طه بين أهله، لم يكن نجمًا محاطاً بالكاميرات، بل كان ابن الحي الذي يعرفه الجميع، بملامحه التي زادتها الأيام صلابة، وبابتسامته التي رغم إرهاق الحرب، لا تزال تحمل شعلة الأمل. سار بين تكايا شمبات، الصبابي، المزاد، والدناقلة، حيث يعرفه الجميع، وحيث لم يغادر قلبه أبداً،.

حكاية صمود تُروى للأجيال
ليس كل رحيلٍ غياباً، ولا كل عودةٍ مجرد خطوات تُقطع على الإسفلت، فطه سليمان حين غادر شمبات، ترك فيها صوته يهمس مع الريح، وأثر خطواته على طرقاتها الحزينة. وحين عاد، لم يكن مجرد عائد، بل كان شاهداً على تاريخٍ كُتب بالدمع والصبر، جاء ليكمل الحكاية التي لم تكتمل، وليعيد للمدينة بعضاً من نبضها المسلوب، كان كمن يعود إلى بيت الطفولة بعد سنين الغياب، يتلمس الجدران، ويبحث عن الوجوه التي شاركته الأيام القاسية، يرى في عيونهم حكايات صمود لا تموت، ويقرأ في شوارعهم قصائد لم تُكتب بعد.
عاد طه، لكن شمبات لم تكن كما تركها، فقد تبدلت الألوان، ونطقت الجدران بصمتها الطويل، ومع ذلك، بقي الحب كما هو، والأرض كما هي، والناس كما هم، وإن هدّتهم الحرب. ففي النهاية، هناك أشياء لا تهزمها نيران الحرب ولا تغيّرها السنون، وأولها الوفاء للوطن.

صورة جديدة للفنان
في زمن كان فيه كثير من الفنانين يختارون اللجوء بعيداً عن نيران الحرب، كان طه سليمان يكتب فصلًا جديداً في تاريخ الفن السوداني، حيث لم تعد النجومية مجرّد حفلات وأضواء، بل موقف وانتماء، أثبت أن الفنان الحقيقي لا ينسلخ عن قضايا مجتمعه، ولا يختبئ في اللحظات الصعبة، بل يكون جزءاً من الحل، من الأمل، من الصمود.
إنها عودة ليست كأي عودة، عودة بعد نصر، بعد تجربة غيّرت ملامح الحياة ووجوه الناس. لكنه عاد بنفس الروح، بنفس الإصرار، حاملًا رسالة واحدة:”قد نغادر المكان، لكن الوطن لا يغادر القلب.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top