هناك فرق
مني أبوزيد
– ذمة سياسية منفصلة..!
*”العابرون من حواجز الكرامة هم الذين يحددون سلوك المعتدين عليهم، بخضوعهم أو رفضهم لشيوع طبائع الاستبداد فيهم ” .. الكاتبة ..!*
كنتُ أفكر فيما قد يرتقي أو يئول إليه حال العلاقات النسائية الرجالية في السودان بعد انتهاء هذه الحرب، وهل يمكن للدروس التي خبرناها في العامين الماضيين أن تعيد بناء نظرتنا لمسلمات خاطئة ظللنا نتوارثها بشأن قوامة الرجل وضوابط الخصوصية والحرية الشخصية في الزواج ومضابط الإنفاق والذمة المالية المنفصل للمرأة.. إلخ..!
وبينما كنت أتفكر بحالنا في الماضي من باب التأصيل لدواعي التغيير خطرت لي حكاية طريفة أحببت أن أشارككم بها. إحدى صحف الخرطوم حملت أيام حكم الإنقاذ خبرين كانا يتشابهان في ظاهر مضمونيهما لكنهما يختلفان – بل يتقاطعان – في أبعاد ودلالات ذلك المضمون ..!
البطلان في كلا الخبرين رجل وامرأة يرتبطان بعقد زواج ويشتركان بتفاوت في إثراء الحراك السياسي في بلديهما، ثم يعودان ليلتقيا عند طرافة المفارقة التي تحرضك طرافتها على بعض الضحك..!
ومن بعض مظاهر ما قد يضحك من شر البلية أن حجم المسافة الجغرافية الفاصلة بين السودان وباكستان – مسقطي رأسي الخبرين – لا يكاد يضاهي حجم المسافة الذهنية الفاصلة بين طرائق التفكير السياسي وأبعاد المسافات الإنسانية القابعة بين أسوار مؤسسة الزواج وساحات ممارسة السياسية في كلٍ منهما..!
الخبر الباكستاني كان يقول إن نتائجاً غير رسمية للانتخابات البرلمانية قد كشفت عن فوز السيدة “كلثوم نواز” زوجة رئيس الوزراء الباكستاني الأسبق “نواز شريف” بمقعد برلماني عن دائرة “لاهور” ..!
وكانت “كلثوم” قد نافست على مقعد زوجها الذي أقيل من منصبه – قبل شهور من ذلك – على خلفية اتهامات بالفساد، أما فارق الأصوات الذي يفصل بينها وأقرب منافسيها فقد كان حوالي “أربعة عشر ألفاً ومائة وثمانية وثمانون صوتاً”، وقد اعتبر الشارع الباكستاني حينئذٍ تلك النتيجة بمثابة استفتاء شعبي على قرار المحكمة العليا الذي قضى بإقالة زوجها من منصبه ..!
ليس ذلك فحسب، السيدة “كلثوم” تلقت أنباء فوزها في أثناء خضوعها للعلاج من مرض السرطان في العاصمة البريطانية “لندن”،بينما قادت ابنتها “مريم” الحملة الانتخابية في غيابها ولم تأبه للتهديدات التي تلقاها الحزب قبيل يوم التصويت ..!
وقد سعت مريم لإظهار الحملة وكأنها تصويت شعبي ضد إقالة والدها، واستحثت مؤيديه فشارك في التصويت أكثر من “ثلاثمائة وعشرين ألف ناخب”، وكان تفاعل الرأي العام – بفضل جهودها – إيجابياً للغاية ..!
هنا يجدر الوقوف عند هذا الحدث لأكثر من سبب، أولاً السيدة “كلثوم” شاركت في الانتخابات البرلمانية باعتبارها مواطنة باكستانية لها ذمة سياسية منفصلة عن ذمة زوجها..!
ثم ثانياً، الإرادة الحديدية التي تمتعت بها السيدة “كلثوم” مكنتها من التغلب على محنة إدانة شريك حياتها ومحنة إصابتها بمرض السرطان وهذه إرادة يفتقدها أكثر من سبعين بالمائة من الرجال الذي يحلفون بالطلاق ويقسمون بالحرام – على مدار الساعة – في مجتمعاتنا ..!
أما ثالثاً وليس آخراً”، فالسيد نواز شريف لم يفلح في إثبات براءته لكنه لم يحصد – جراء ذلك – دموع زوجته وانهيارها – بل حصد انتزاعها للفوز بلقب برلماني في عز محنته السياسية، أما الشعب الباكستاني فقد كان الراعي الرسمي الأول لمهرجان وطني شعاره “لا للتفرقة الجندرية، نعم للحياد الإنساني” ..!
والآن دعنا نستخدم “الباراشوت” للهبوط الإضطراري نحو مضمون الخبر السوداني الذي اختارت له مساحة “التسريبات” بإحدى صحف الخرطوم في تلك الأيام العنوان الآتي “طلاق في قبلة البرلمان” ..!
أما نص الخبر فكان يقول إن دستورياً بولاية حدودية غربية قد أقسم على زوجته العضوة بالمجلس التشريعي حالفاً بالطلاق في حال قيامها بالتصويت لصالح قرار تم طرحه والتصويت عليه من قبل بعض النواب ..!
صحف الخرطوم التي عندها المحن أخبرت القراء كيف أن تلك السيدة البرلمانية قد التزمت الحياد يومها وامتنعت تماماً عن التصويت، ولسان حالها “نار الحنث بالقسم الدستوري ولا جنة الذمة البرلمانية المنفصلة التي تجلب الطلاق”، قاتل الله المقارنات!.
munaabuzaid2@gmail.com






