دور كينيا في حرب السودان بالوكالة (٢)
الجزء الثاني: الحرب بوسائل أخرى
بقلم :صباح المكّي
ما وصفته نيروبي بالدبلوماسية لم يكن منذ البداية سوى غطاء لحرب مقنّعة.
قام وليام روتو، بزيارة سرّية للسودان، لم تُسجّل فى الأرشيف الرسمي.
ما نواجهه ليس زلّة دبلوماسية، بل خيانة مدروسة — مُمولة، موثّقة، ومُنفّذة بدقة
*مقدمة: الشهادة، ممر الذهب، وطمس الأدلة*
ما وصفته كينيا بالدبلوماسية لم يكن منذ البداية سوى غطاء لحرب مقنّعة.
في الجزء الأول، “الوجه المزدوج: الوساطة أم المؤامرة؟”، كشفنا انهيار حياد نيروبي، حيث استُبدلت الوساطة بالتمويه، والمؤتمرات المصطنعة بتحالف خفي مع ميليشيا متهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
أما في هذا الجزء، فنذهب أعمق.
ما رُفع كشعار سلام، كان في جوهره مشروع حرب متنكر، تُدار خيوطه من محور سريّ يربط نيروبي بأبوظبي، مرورًا بمناجم السودان. تمويل بالصمت، وصفقات تُغطّى بالبروتوكول، وقائد تمرّد يُقدَّم كوجه شرعي على السجاد الأحمر.
في قلب هذه الشبكة: شهادة نارية من نائب الرئيس الكيني السابق، ريغاثي غاشاغوا، يصف فيها الرئيس وليام روتو لا كمجرّد متفرّج، بل كـ”القائد الحقيقي” لمليشيا الدعم السريع. رحلة سرية عام 2020 إلى مناطق الذهب، بلا سجل ولا إخطار رسمي، واستقبال علني لزعيم ميليشيا حُلّت بقانون، ووُصفت بالتمرد وفق الدستور السوداني.
ما نواجهه ليس زلّة دبلوماسية، بل خيانة مدروسة — مُمولة، موثّقة، ومُنفّذة بدقة. الأدلة لم تعد تهمس، بل تُدين.
*١. شهادة غاشاغوا: حين نطق قلب النظام*
ما كان يُستشفّ سابقًا من الأنماط الظرفية والتقاطعات الخفية، بات اليوم يُصرَّح به علنًا من داخل قلب النخبة السياسية الكينية نفسها.
ففي أبريل 2025، خرج نائب الرئيس الكيني السابق، ريغاثي غاشاغوا، إلى العلن باتهام خطير ومباشر: الرئيس وليام روتو ليس مجرد متعاطف مع ميليشيا الدعم السريع، بل هو منسّق شبكة غسل ذهب عابرة للحدود، وراعيها المالي والسياسي.
*٢. الذهب المغسول: شريان التمويل الخفي*
روى غاشاغوا تفاصيل ما أسماه “آلية منظّمة” ومُحكمة: ذهب يُستخرج من مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الدعم السريع في السودان، يُهرَّب عبر الممرّ الغربي للبلاد، ثم يدخل النظام المالي الكيني، ليُعاد تصديره إلى نظام أبو ظبي هناك، يُباع في الأسواق الدولية، وتُعاد عائداته لتمويل العمليات العسكرية للميليشيا، من شراء الأسلحة إلى تمويل الإمداد واللوجستيات الميدانية.
وصف غاشاغوا هذه الحلقة باعتبارها “نقطة ارتكاز حيوية” في سلسلة تمويل حرب بالوكالة. فالسلاح، كما قال، هو الدخان المرئي؛ لكن الذهب المغسول هو الوقود الحقيقي الذي يُبقي النيران مشتعلة.
*٣. الاتهام الأخطر :روتو القائد الفعلي لميليشيا الدعم السريع*
لكن أخطر ما ورد في الشهادة لم يكن الآلية المالية، بل التوصيف السياسي: إذ وصف غاشاغوا الرئيس الكيني وليم روتو بـ”القائد الفعلي لميليشيا الدعم السريع “. ليس على سبيل المجاز، بل بوصفه المسؤول المباشر عن إنشاء وتغذية البنية اللوجستية التي تُبقي الميليشيا حيّة ومسلّحة. وقد جاءت هذه الشهادة خلال مقابلة مُتلفزة بُثّت عبر قناة KTN News Kenya، وانتشرت لاحقًا على موقع يوتيوب، تحت عنوان”The real commander of RSF is President Ruto.”
بحسب غاشاغوا، تعود بداية العملية إلى عام 2023، عندما طلب منه الرئيس روتو توجيه دعوة دبلوماسية رسمية حميدتي، بصفته نائبًا لرئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان. الدعوة، التي بدت في ظاهرها بروتوكولية، استُخدمت كغطاء للتمكين السياسي. استقبل غاشاغوا حميدتي في نيروبي، وسلّمه إلى الرئيس، ثم طُلِب منه مغادرة الاجتماع، أدرك لاحقًا أن اللقاء لم يكن في سياق العلاقات السودانية–الكينية، بل ترتيبًا تجاريًا بحتًا.
وعندما طلب منه روتو إصدار دعوة أخرى للزيارة الثانية، رفض غاشاغوا المشاركة، مستندًا إلى جرائم الدعم السريع والعقوبات الدولية المفروضة عليه. وهنا جاءت المفاجأة: تم، بحسب ادعائه، تزوير توقيعه لإعادة إصدار الدعوة. ولم تُسحب إلا بعد مواجهة علنية. منذ ذلك الحين، لم يكتفِ غاشاغوا بالإدانة الأخلاقية، بل طالب المجتمع الدولي بفرض عقوبات على روتو نفسه، معتبرًا أن الرئيس انزلق من موقع رئيس الدولة إلى موقع ممكّن لميليشيا متهمة بالإبادة الجماعية، وأن السيادة الكينية تم اختزالها إلى وظيفة تخدم رأس المال الأجنبي ومصالح إقليمية ملوّثة.
*٤. من الغطاء إلى الشراكة الكاملة*
سجلات مالية، تواريخ متطابقة، وعقود رسمية تشير بوضوح إلى أن كينيا تمارس دورًا محوريًا في المثلث: مليشيا الدعم السريع، تمويل إماراتي، وتسهيل سياسي ولوجستي من نيروبي.
بلغ هذا التواطؤ ذروته في يناير 2024، حين استقبل الرئيس الكيني وليام روتو رسميًا الميليشياوي حميدتي في نيروبي، ورفَع علم السودان إلى جانب قائد تمرّد، في تحدٍ صارخ لكل الأعراف الدبلوماسية. وذلك رغم أن ميليشياته قد حُلّت بمرسوم جمهوري، وصنّفته الدولة السودانية كقائد متمرّد ومتهم بارتكاب جرائم حرب.
لم يكن ذلك مجرد استقبال رسمي، بل كان فعلًا سياسيًا واعيًا لإعادة تأهيل رجل ميليشيا عبر منحه رمزية الدولة، وتحويل تمرّده إلى مشروع إقليمي مشرعن. لحظة كان يفترض أن تُشكّل إدانة أخلاقية، تحوّلت إلى مشهد “شرعنة مصطنعة” أُخرج بإتقان: بذلة رسمية، مراسم عسكرية، منصّة إعلامية، وصمت دولي ثقيل.
*٥. القرض مقابل التمرّد: صفقة من خلف الستار*
في فبراير 2028، وبعد أسابيع من تدشين “حكومة السلام والوحدة” التابعة للميليشيا في نيروبي، أعلنت الإمارات — التي اعترف بها الدكتور إسحاق مورا، المتحدث باسم الحكومة الكينية، كراعٍ رئيسي للدعم السريع — عن تقديم قرض لكينيا بقيمة 1.5 مليار دولار. ورغم التصريحات الرسمية التي تحدثت عن صرف القرض على مراحل، تم تحويل المبلغ دفعة واحدة، وفي توقيت لا يمكن فصله عن السياق السياسي المحيط به. غير أن هذه الواقعة لم تكن سوى أول خيط في شبكة تواطؤ متشابكة، بدأت ملامحها تتكشف عبر قروض “معلنة” — لكنها محمّلة بثمن غير معلن: ولاءات دبلوماسية، واصطفافات إقليمية، وصفقات تُدفع نقدًا، ويُستوفى ثمنها من رصيد السيادة.
*٦. مجلس الشيوخ الأمريكي: إدانة دبلوماسية صريحة*
في 22 فبراير 2025، جاء الرد الدولي على لسان السيناتور الأمريكي جيم ريتش، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، الذي وجّه انتقادًا لاذعًا لسلوك كينيا، معتبرًا أن ما تمارسه لا يمتّ للوساطة بصلة.
استند التصريح إلى التصنيف الرسمي الصادر عن الولايات المتحدة بشأن جرائم الدعم السريع في السودان كـ”إبادة جماعية”، مؤكّدًا أن “كينيا لا تُسهّل السلام، بل تُموّه الجريمة”. ووصف ريتش الموقف الكيني بأنه “محاولة لا تُصدَّق لحجب الحقيقة”، محذرًا من أن هذا النهج لا يوقف المجازر، بل يطيل أمدها ويؤمّن غطاءها السياسي. وبهذا الموقف، لم تعد كينيا تُرى كوسيط إقليمي محايد، بل كشريك فعلي في ترويج وتمويه جماعة مسلّحة مصنّفة دوليًا كمرتكبة لجرائم إبادة وانتهاكات جسيمة ضد المدنيين.
*٧. الرحلة السرّية التأسيسية — حين وُضعت خرائط الغنيمة ونشأ تحالف الذهب*
قبل أن تتحوّل نيروبي إلى منصّة لتمكين التمرّد، وقبل أن تتدفّق أنهار الذهب المغسول عبر مصارفها، وقعت واقعة صغيرة في ظاهرها، خطيرة في جوهرها: في 14 يناير 2020، قام وليام روتو، نائب الرئيس الكيني آنذاك، بزيارة سرّية إلى السودان، لم تُسجّل في أي أرشيف رسمي.
غادر روتو مطار ويلسون على متن طائرة خاصة رقم الذيل: (5Y-SIR)، حطّ في الخرطوم، ثم نُقل بطائرة شرطة إلى عطبرة، بوابة مناجم الذهب بولاية نهر النيل، قبل أن يظهر لاحقًا في منطقة العبيدية، قرب مواقع استراتيجية مثل “السلام” و”سربابير” — وهي نفس المناطق التي أصبحت لاحقًا حجر الزاوية في اقتصاد الدعم السريع الموازي.
لا بيان رسمي. لا مذكرة دبلوماسية. لا إخطار للسفارة الكينية. انتهاك بروتوكولي متعمّد، كُشف لاحقًا عبر تحقيقات صحفية استقصائية.
استُقبل من قِبل الوالي العسكري لنهر النيل. ولم تكن الزيارة ذات طابع دبلوماسي، بل اصطفاف خفيّ مع منظومة اقتصادية–عسكرية تحت سيطرة الدعم السريع. آنذاك، كان حميدتي لا يزال يحتفظ بمنصبه الرسمي، بينما كانت الدولة المدنية غطاء هشًّا للنفوذ الميليشياوي. بعض رموزها سيُعاد تدويرهم لاحقًا في نيروبي تحت لافتة “تأسيس الخراب”، والآخر، بقيادة عبد الله حمدوك، تحوّل إلى ما يشبه “صمود الحرباء”. كلاهما رُفع على أطلال الخراب كغطاء لإعادة تدوير التواطؤ — صوتٌ مُنهك، متواطئ بالصمت، اختاروا إنكار الفظائع، وقلب الحقائق، والانصياع للراعي الإماراتي — لا دفاعًا عن الحقيقة، بل طاعة عمياء مدفوعة الثمن، ولو كان المقابل دماء الناس وخراب البلاد.
رحلة روتو، من حيث التوقيت والموقع والسياق، لم تكن زيارة لجسّ النبض، بل كانت خطوة تأسيسية في بناء محور خفيّ من الذهب والسلاح، يربط ميدان الحرب في السودان بشبكات التمويل في نيروبي، وموانئ التصدير في الإمارات.
وفي هذا السياق، ظهرت تقارير إعلامية سودانية تشير إلى أن الطائرة التي أعادته من نهر النيل قد تكون حُمّلت بسبائك ذهب أو أموال نقدية. لا تفتيش جمركي، لا توثيق شحن، لا نفي رسمي.
تكرّرت شكاوى الطيران من غياب التصاريح، ووجّهت أصابع الاتهام لرجل الأعمال أسامة داؤود عبد اللطيف (رئيس مجموعة دال) بلعب دور لوجستي في العملية — وهو ما نفاه.
ورغم غياب أي تحقيق رسمي، فإن تكتّم الرحلة، وخرق الأعراف، وسلوك التهرّب من الوثائق، كلها مؤشرات على أن الزيارة لم تكن بريئة، بل كانت بداية شبكة تآمر متعددة المسارات، تمتد من العبيدية إلى دبي، مرورًا بنيروبي.
لم تكن زيارة دبلوماسية. كانت اللحظة الأولى في رسم خريطة الذهب والدم — التي ستُقدَّم لاحقًا للعالم تحت لافتة “الوساطة الإقليمية”.
*خاتمة: وهم الوساطة… وتشريح الخيانة*
ما سوّقته كينيا كدبلوماسية، كان هندسة لحرب بالوكالة. عبر طائرات خاصّة، توقيعات مزوّرة، قروض مشروطة، وتحالفات مموّهة بالبروتوكول، لم تكن كينيا تيسّر السلام — بل كانت تدير التمرّد.
الوقائع لم تعد ظرفية: شهادة غاشاغوا، استقبال حميدتي، قرض الإمارات، الرحلة السرية — كلها تتقاطع عند نقطة واحدة: نقطة الخيانة. ما شهده العالم لم يكن صناعة سلام. بل غسيل سياسي — اتفاقات مكتوبة بالحبر، فوق خرائط تُرسم بالبارود وسكين الجغرافيا السياسية.
*تمهيد للجزء الثالث: المحاكمة التي لم تحدث قط*
قبل الذهب والسلاح، كانت هناك قضية. قبل الخرطوم، كانت كيامبا. قبل الرحلات والتحالفات، كانت هناك قاعة محكمة — وفي مركزها: رجل واحد.
يتتبّع الجزء الثالث نشأة الرجل الذي وصفه غاشاغوا بأنه “القائد الحقيقي للدعم السريع”.
ففي لاهاي، وُضع هذا الرجل على منصة الاتهام بتهم تتعلق بجرائم عنف جماعي في كينيا.
لكن القضية لم تنتهِ بحكم العدالة، بل بإخراج سياسي منهجي: اختفى الشهود، انقلبت الأقوال، وتحوّلت المحكمة إلى مسرح لدفن الحقيقة.
خرج حرًّا، لكن الأدلة لم تُدفن معه — بل بقيت تتنفس تحت الرماد.
الجزء الثالث لا يعيد فتح الملف، بل يتتبّع الدخان المتصاعد منه — من كيامبا إلى الخرطوم، حيث خُطّت خريطة الإفلات من العقاب، وتحولت لحظة المحاسبة إلى مشروع سلطة يُدار من الظلال.
#القوات_المسلحة_السودانية_تمثلني






