الكارثة الإنسانية تتفاقم بين الجوع والمرض وسط نداءات لرفع المعاناة..
الفاشر… مدينة تحت الحصار..
الكرامة:رحمة عبدالمنعم
وزارة الخارجية تكشف أرقاماً صادمة عن معاناة المواطنين فى المدينة ..
برنامج الغذاء يحذر من كارثة إنسانية غير مسبوقة ويدعو الى هدنة
السعودية تطلق نداء عاجلاً لفك الحصار وتعلن استعدادها لإيصال المساعدات
تشريد 600 ألف مواطن وحصار 260 ألف تحت رحمة الجوع والمرض
130 ألف طفل يعانون سوء التغذية و1000 قُتلوا على أيدي التمرد..
23 حالة اغتصاب موثقة بحق الأطفال و5 آلاف حالة اشتباه بالكوليرا
تدمير 35 مستشفى بالكامل و6 مدارس انهارت تحت القصف المدفعي..
الكرامة : رحمةعبدالمنعم
تعيش مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، واحدة من أحلك فصول المأساة الإنسانية في السودان، حيث يفرض عليها حصار خانق منذ أكثر من عام، خلّف أوضاعاً كارثية جمعت بين الجوع والمرض والموت البطيء، فمع تشريد مئات الآلاف، وانعدام الغذاء والدواء، وتفشي الأوبئة، ووقوع انتهاكات مروعة بحق الأطفال والنساء، تحولت الفاشر إلى رمز للألم الإنساني في دارفور، وسط نداءات متكررة من السودان والمجتمع الدولي لرفع الحصار وإنقاذ المدنيين المحاصرين
كارثة مفتوحة
وتعيش مدينة الفاشر منذ أكثر من عام، واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في تاريخ السودان الحديث، حيث يفرض عليها حصار خانق من قبل مليشيا الدعم السريع، جعل الحياة فيها أشبه بكارثة مفتوحة، تفتك بالبشر والحجر دون تمييز.
وبحسب وزارة الخارجية والتعاون الدولي، فإن الحصار أدى إلى تشريد نحو 600 ألف مواطن من بيوتهم، بينما ما يقارب 260 ألفاً آخرين ما يزالون محاصرين داخل المدينة، يواجهون الجوع والمرض ونقص أبسط مقومات الحياة ، وكشف وكيل الوزارة السفير حسين الأمين،خلال اجتماع مع السفراء ورؤساء البعثات والمنظمات الدولية اول أمس الاول الخميس، أن الحصار خلف 130 ألف طفل يعانون من سوء التغذية، فيما قُتل 1000 طفل وتعرضت جثثهم للتمثيل، في وقت تم فيه توثيق 23 حالة اغتصاب لأطفال ارتكبها عناصر الدعم السريع.
ولم تتوقف الكارثة عند هذا الحد، إذ رُصدت خمسة آلاف حالة اشتباه بالكوليرا داخل المدينة، نتج عنها 98 وفاة مؤكدة، فيما يشير المسؤولون إلى أن الأرقام مرشحة للارتفاع ما لم يتم إيصال المساعدات الإنسانية العاجلة.
الأرقام التي استعرضتها وزارة الخارجية أظهرت جانباً آخر من المأساة، حيث تم تدمير 35 مستشفى بالكامل جراء القصف، إلى جانب 6 مدارس انهارت تحت القصف المدفعي، ما جعل الفاشر مدينة بلا مرافق صحية وتعليمية تقريباً.
وجدد السفير حسين الأمين مطالب السودان للمجتمع الدولي بضرورة اتخاذ موقف واضح وصارم تجاه ما وصفه بـ”الحصار غير الإنساني”، والعمل على تأمين وصول المساعدات الغذائية والطبية إلى مئات الآلاف من المدنيين المحاصرين في الفاشر.
أزمة جوع
وفي السياق ذاته،طالب برنامج الغذاء العالمي، اول امس الخميس، بضرورة إقرار هدنة إنسانية ووقف العمليات القتالية في السودان لإيصال المساعدات الإنسانية للذين يتضورون جوعاً في كل من كردفان ودارفور.
وقالت رئيس قسم التواصل في برنامج الغذاء العالمي ليني كنزلي: نؤكد على الحاجة الماسة إلى هدنة إنسانية وضمان وصول غير مقيد للمساعدات من أجل تكثيف الاستجابة ومنع وقوع المزيد من الوفيات
وذكرت أنها تلقت تقارير تفيد بوفاة أشخاص بسبب الجوع في بعض المناطق الأكثر تضررًا مثل الفاشر بولاية شمال دارفور وكادقلي في جنوب كردفان
وأفادت كنزلي أن المواطنين في المنطقتين يعيشون أوضاعاً إنسانية كارثية نتيجة الحصار وغياب المساعدات المنتظمة، مع تقارير مقلقة تفيد بلجوء بعض الأسر إلى استهلاك “الأمباز”، وهو مخلفات الفول السوداني والسمسم بعد استخراج الزيت منه، للبقاء على قيد الحياة..
صوت المملكة
وفي خضم هذه الكارثة، برز صوت المملكة العربية السعودية، التي أطلقت الخميس الماضي نداءً عاجلاً لفك الحصار عن الفاشر. السفير السعودي لدى السودان علي بن حسن جعفر، شدد على أن “هناك مسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي” للعمل على رفع الحصار، مؤكداً استعداد المملكة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية لإيصال المساعدات الإنسانية إلى الفاشر والمدن المحاصرة الأخرى “متى ما تيسرت الظروف”.
وقال السفير: “السعودية لم تقف مكتوفة الأيدي، بل تعمل ليل نهار على تجهيز المساعدات، وتواصل جهودها لوقف الحرب التي دمرت كل شيء”.
مواجهة الموت
وتتعرض الفاشر منذ أبريل 2024، لضربات برية وجوية متلاحقة، ضمن سعي مليشيا الدعم السريع للسيطرة على آخر مدينة رئيسية في دارفور ما يزال الجيش متمركزاً فيها،ومع مرور الأشهر، تحولت المدينة إلى مأساة إنسانية مفتوحة، حيث منع الغذاء والدواء عن مئات الآلاف، بينما تواصل هجمات “الجنجويد” تدمير ما تبقى من بنيتها الأساسية.
ويرى مراقبون أن مأساة الفاشر لم تعد مجرد قضية محلية تخص شمال دارفور وحدها، بل غدت اختباراً حقيقياً لمدى جدية المجتمع الدولي في حماية المدنيين ووقف الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، ويشير هؤلاء إلى أن استمرار الصمت والتباطؤ في التحرك يضاعف من حجم الكارثة، ويجعل من المدينة رمزاً لفشل الإرادة العالمية في مواجهة الحروب التي تستهدف الإنسان في أبسط حقوقه؛ الحق في الحياة والكرامة والغذاء
وفي ظل هذه الظروف، يظل صوت سكان الفاشر ضعيفاً، لا يعلو فوق أصوات الانفجارات وأخبار الجوع والوباء. وبينما تتواصل نداءات السودان، وبرنامج الغذاء العالمي، والسعودية، يبقى السؤال معلقاً : هل يتحرك المجتمع الدولي قبل أن تتحول الفاشر إلى مقبرة جماعية صامتة؟.





