إنزلاقات أرضية تبتلع قرية بجبل مرة وسط تضارب حول أعداد الضحايا.. ترسين.. “مأساة” الطبيعة وأختلاف الروايات.. الكرامة:رحمة عبدالمنعم 

إنزلاقات أرضية تبتلع قرية بجبل مرة وسط تضارب حول أعداد الضحايا..

ترسين.. “مأساة” الطبيعة وأختلاف الروايات..

الكرامة:رحمة عبدالمنعم

ناجون يرون الفاجعة.. وسكان محليون يشككون في الأرقام المعلنة

 

 

الموالح والخضراوات تتحول إلى ذكرى بعد دمار الأراضي الزراعية

 

وعورة جبل مرة تعرقل وصول فرق الإنقاذ والمساعدات..

 

جبل مرة.. من واحة خصبة إلى مسرح لمأساة إنسانية مروعة..

لم تكن قرية ترسين الصغيرة في قلب جبل مرة تدرك أن أمطار أغسطس، التي اعتاد أهلها أن يستبشروا بها خيراً لمواسم الزراعة، ستتحول هذه المرة إلى لعنة تقتلع الحياة من جذورها، ففي لحظات قصيرة، انزلقت الأرض بما حملت، وابتلعت البيوت والحقول وأحلام مئات الأسر، في مشهد مأساوي وصفه شهود العيان بأنه غير مسبوق.

“مأساة ترسين” لم تُفقد أهلها فقط، بل أفقدت السودان قرية بكاملها لتظل شاهداً على قسوة الطبيعة حين تغضب، وعلى هشاشة الإنسان أمام جبروتها.

 

كارثة طبيعية

وأعلنت حركة جيش تحرير السودان جناح عبد الواحد محمد نور، في بيان رسمي، عن مصرع أكثر من ألف شخص من سكان قرية ترسين الواقعة وسط جبل مرة بدائرة أمو، وذلك جراء انزلاقات أرضية مدمرة اجتاحت القرية يوم الأحد الماضي.

وعُزي الحادث إلى الأمطار الغزيرة التي شهدتها المنطقة طوال الأسبوع الأخير من أغسطس، ما أدى إلى انهيار التربة وتدمير القرية بالكامل، في مشهد مأساوي قيل إن ناجياً واحداً فقط نجا منه.

لكن هذه الرواية لقيت تشكيكاً من سكان محليين في دائرة جبل مرة، أكدوا في رسائل صوتية أن عدد الضحايا أقل بكثير مما أُعلن، وأن المأساة رغم فداحتها لا ترقى إلى حجم الأرقام المتداولة، وطالبوا الناطق الرسمي باسم الحركة، محمد الناير، بتحمل المسؤولية والاعتذار إن ثبت التضليل، أو نشر التفاصيل الحقيقية دون زيادة أو نقصان، بدلاً من الانخراط في ما وصفوه بحملة إعلامية قد تصرف الأنظار عن المأساة الإنسانية التي تعيشها مدينة الفاشر المحاصرة من قبل قوات الدعم السريع وتحالفاتها.

 

تضاريس وعرة

وتقع قرية ترسين في الجزء الأوسط من جبل مرة، وسط تضاريس وعرة تتسم بالمنحدرات الشديدة والوديان الضيقة، إضافة إلى طبيعة أرضية طينية شديدة الانزلاق،وعلى الرغم من أن المنطقة شهدت في سنوات سابقة حوادث مشابهة أقل حدة، إلا أن كارثة هذا العام جاءت بأبعاد مدمرة لم يشهدها الإقليم من قبل.

ويرى مراقبون أن موقع القرية في جبل مرة، وسط التضاريس والمنحدرات، جعل وصول فرق الإنقاذ والإغاثة بالغ الصعوبة، خاصة في ظل الظروف الأمنية الهشة بالمنطقة، وأكدوا أن هذه العوامل ساهمت في تأخير عمليات البحث عن المفقودين وانتشال الجثامين، الأمر الذي فاقم من حجم المأساة الإنسانية وأطال أمد معاناة الأهالي.

وتُعرف ترسين تاريخياً بخصوبتها الزراعية وإنتاجها الوفير من الموالح مثل البرتقال والليمون إلى جانب الخضراوات، ما يجعل الخسائر الاقتصادية والإنسانية مضاعفة.

من واحة إلى مأساة

بهذه الكارثة، تسجل ترسين سابقة مأساوية في تاريخ جبل مرة، إذ لم يسبق أن اجتاحت الانزلاقات الأرضية قرية بكاملها بهذا الشكل المفجع، الجبل الذي طالما ارتبط في الوجدان السوداني بالخصوبة والخيرات، واعتُبر لعقود طويلة بمثابة “حديقة دارفور” بوفرة مياهه واعتدال مناخه وتنوع محاصيله من الموالح والخضراوات، تحوّل فجأة إلى مسرح لمأساة إنسانية صادمة.

لقد شكّلت ترسين وأخواتها من قرى جبل مرة ركيزة أساسية في الأمن الغذائي المحلي، وكانت سوقاً نابضة بالحياة يرتبط بها آلاف المزارعين والتجار، قبل أن يأتي الانزلاق الأرضي ليجرف في لحظة كل ذلك التاريخ الزراعي والاجتماعي، ويمحو معالم القرية.

ويرى متابعون أن هذه الفاجعة لا تقتصر على الخسائر البشرية والاقتصادية فحسب، بل تحمل أيضاً بعداً رمزياً قاسياً، إذ تكشف كيف يمكن للطبيعة، التي أغدقت بالخيرات لعقود، أن تنقلب فجأة لتصبح أداة للفناء والدمار. وبينما يخيم الحزن على دارفور والسودان عامة، يبقى التحدي الأكبر أمام السلطات المحلية والمنظمات الدولية هو كشف الحقائق بدقة وسط تضارب الأرقام، وانتشال الضحايا، وتقديم العون للناجين الذين فقدوا أهلهم وأراضيهم ومصادر رزقهم في لحظات معدودة.

وفي بلد أنهكته سنوات الحرب والكوارث المتلاحقة، تبدو مأساة ترسين كجرس إنذار إضافي حول هشاشة البنى التحتية، وغياب الاستعداد لمواجهة الكوارث الطبيعية، والحاجة الملحة لخطط استجابة مبكرة تضع حياة الإنسان في قلب الأولويات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top